4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

أبوظبي تكسر جمود حرب روسيا وأوكرانيا باتفاق لتبادل الأسرى وقنوات اتصال عسكرية

شهدت العاصمة الإماراتية أبوظبي خلال الساعات الماضية حراكًا دبلوماسيًا هو الأكثر زخمًا منذ اندلاع المواجهات العسكرية بين روسيا وأوكرانيا، حيث احتضنت جولات مفاوضات مكثفة ضمت وفودًا رفيعة المستوى من أمريكا وروسيا وأوكرانيا

بقلم: سماح عثمان
٥ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
6 مشاهدة
روسيا وأوكرانيا

روسيا وأوكرانيا

شهدت العاصمة الإماراتية أبوظبي خلال الساعات الماضية حراكًا دبلوماسيًا هو الأكثر زخمًا منذ اندلاع المواجهات العسكرية بين روسيا وأوكرانيا، حيث احتضنت جولات مفاوضات مكثفة ضمت وفودًا رفيعة المستوى من أمريكا وروسيا وأوكرانيا، في محاولة لكسر حالة الاستعصاء الميداني التي خيمت على المشهد لفترة طويلة. وبحسب تقارير دبلوماسية مسربة لوسائل إعلام دولية، فإن هذه الجولة لم تكن مجرد بروتوكول لتبادل وجهات النظر، بل انتقلت إلى نقاط فنية معقدة تتعلق بخرائط النفوذ وتبريد الجبهات المشتعلة، في ظل توجه واضح من الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس ترامب لإنهاء هذا الملف الذي استنزف الموارد الغربية لسنوات، وهو التوجه الذي يلقى صدىً متباينًا في القارة الأوروبية التي تخشى من تفاهمات منفردة قد تهمش دورها المستقبلي في المعادلة الأمنية.

روسيا وأوكرانيا والصفقة الشاملة

وتشير المصادر المقربة من دوائر صنع القرار في واشنطن إلى أن المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، الذي يمثل رؤية الرئيس ترامب المباشرة، قاد المباحثات بروح واقعية تعتمد على مبدأ "الصفقة الشاملة" بدلاً من الحلول الجزئية، حيث ركزت النقاشات على إعادة تفعيل خطوط الاتصال العسكرية المباشرة بين روسيا وأوكرانيا لتجنب أي انزلاق نحو مواجهة نووية أو تصعيد غير محسوب. 

اختراق في ملف الأسرى

أسفرت هذه الجولة التفاوضية، وفقًا لما نقلته وكالات الأنباء الرسمية عن مسؤولين مطلعين، عن اتفاق ملموس يقضي بتبادل مئات الأسرى والمحتجزين من كلا من روسيا وأوكرانيا، في عملية تُعد الأضخم من نوعها منذ شهور طويلة، مما يعطي إشارة قوية على نجاح الوساطة في بناء قدر من الثقة المفقودة. هذا التطور لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الإنساني والسياسي العام، حيث يسعى كل طرف لتحقيق مكاسب معنوية أمام جبهته الداخلية، بينما تحاول أمريكا إثبات فاعلية مقاربتها الجديدة في حل النزاعات بين روسيا وأوكرانيا من خلال الدبلوماسية المباشرة التي ينتهجها الرئيس ترامب منذ توليه السلطة في 2024، والتي تهدف إلى تقليص التدخلات العسكرية المباشرة مقابل صفقات سياسية كبرى تضمن توازن القوى العالمي.

وفي عمق التحليل لهذه الخطوة، يرى مراقبون أن اتفاق تبادل الأسرى هو "بوابة عبور" لملفات أكثر تعقيدًا تتعلق بوضعية الأراضي المتنازع عليها، حيث بدأت الوفود التقنية في مناقشة مقترحات تتعلق بمناطق عازلة وتخفيف حدة العمليات العسكرية في القطاعات الحيوية. إن الرؤية الأمريكية الحالية، التي يدفع بها الرئيس ترامب، تقوم على فرض واقع جديد يعترف بالمتغيرات على الأرض مقابل ضمانات أمنية طويلة الأمد، وهو المسار الذي تراقبه موسكو بحذر شديد بينما تحاول كييف تحسين شروط تفاوضها في ظل تناقص الدعم العسكري التقليدي، مما يجعل من منصة أبوظبي نقطة ارتكاز محورية في صياغة النظام العالمي الجديد الذي تتبلور ملامحه بعيدًا عن ساحات المعارك التقليدية.

التوازنات الدولية القلقة

لا يمكن فصل مسار مفاوضات أبوظبي عن السياق العالمي الأوسع، وتحديدًا الدور الأمريكي المزدوج الذي يظهر بوضوح في التعامل مع الأزمات الدولية؛ فبينما تسعى واشنطن لتهدئة الجبهة الأوكرانية، تواصل دعمها المطلق وغير المشروط للاحتلال الإسرائيلي في حربه الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني. إن هذا التناقض الصارخ في السياسة الأمريكية يثير تساؤلات جوهرية حول معايير العدالة الدولية، حيث يتم الدفع بالدبلوماسية في أوروبا بينما يتم توفير الغطاء العسكري والسياسي للمجازر المستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية منذ أكتوبر 2023، مما يكشف زيف الادعاءات الغربية حول حماية حقوق الإنسان وسيادة الدول، ويؤكد أن المحرك الأساسي لهذه التحركات هو المصلحة الاستراتيجية المحضة وتأمين النفوذ الأمريكي في المناطق الحيوية.

وعند النظر إلى الدور الروسي في هذه المفاوضات، نجد أن موسكو تدرك جيدًا طبيعة المرحلة الحالية في واشنطن، وتتعامل مع إدارة الرئيس ترامب من منطلق القوة الميدانية التي اكتسبتها، وهو ما يفسر صلابة الموقف الروسي في ملفات السيادة الإقليمية. وفي المقابل، يجد الطرف الأوكراني نفسه في وضع شديد الحساسية، حيث يواجه ضغوطًا من الحلفاء الغربيين للقبول بتنازلات مؤلمة تحت وطأة الإنهاك الاقتصادي والعسكري، وفي ظل انكشاف زيف الروايات التي روجت لقرب انهيار الاقتصاد الروسي، مما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مفادها أن استمرار الصراع لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار، وأن العودة إلى طاولة المفاوضات  بين روسيا وأوكرانيا هي المسار الوحيد المتبقي لتجنب كارثة عالمية شاملة.

مستقبل الصراع المفتوح

إن المخرجات الأولية لهذه الجولة في فبراير 2026 تشير إلى أننا بصدد مرحلة انتقالية طويلة، حيث سيظل التوتر سيد الموقف رغم وجود قنوات اتصال مفتوحة، فالخلافات الجوهرية حول انضمام أوكرانيا للحلف الأطلسي وطبيعة النظام الأمني في شرق أوروبا لا تزال دون حلول جذرية. .

ومع ذلك، تظل العيون شاخصة نحو الميدان الذي عادة ما يسبق الدبلوماسية بخطوات، فكل نجاح يتحقق في غرف المفاوضات بأبوظبي يقابله تحدٍ في الحفاظ على هذا الإنجاز أمام رغبة بعض الأطراف المتطرفة في استمرار النزاع لتحقيق مكاسب جيوسياسية. إن التحدي الأكبر الذي يواجه إدارة الرئيس ترامب الآن هو كيفية الموازنة بين طموحاتها في إنهاء "الحروب الأبدية" وبين الحفاظ على تحالفاتها التقليدية التي تشعر بالقلق من أي تقارب بين روسيا وأوكرانيا قد يأتي على حساب أمن القارة العجوز، مما يجعل من الشهور القادمة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدبلوماسية الأمريكية على صياغة سلام مستدام ينهي معاناة الملايين ويضع حدًا لسباق التسلح الذي أرهق كاهل العالم.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال