شهدت الحياة السياسية اللبنانية، اليوم الجمعة، تطورا خاطفا بعدما وافقت قيادات حزب الله على استقالة المسؤول الأمني البارز وفيق صفا.
سابقة أول من نوعها في حزب الله
ووصف هذا القرار، بأنه سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الحزب، يأتي ليفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول توقيته ودلالاته، خاصة وأن صفا يمثل الركن الأساسي في هندسة العلاقات المعقدة بين الحزب ومؤسسات الدولة اللبنانية، وقد نجا في أكتوبر 2024 من محاولة اغتيال آثمة نفذتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي في قلب العاصمة بيروت.
وأكدت وكالة رويترز، أن وفيق صفا الذي يتولى رئاسة وحدة الارتباط والتنسيق، كان قد تقدم بطلب الاستقالة منذ فترة ليست بالقصيرة، إلا أن القيادة تريثت في قبولها نظراً لحساسية المرحلة، لكن إصرار صفا على التنحي دفع الحزب في نهاية المطاف إلى النزول عند رغبته وقبول الاستقالة اليوم الجمعة.
وتابعت أنه لم تكشف المصادر حتى اللحظة عن الأسباب الحقيقية والمباشرة الكامنة وراء هذا الإصرار، وهو ما يغلف المشهد بنوع من الغموض المثير حول مستقبل التوازنات الأمنية والسياسية في لبنان، خصوصاً في ظل الضغوط المستمرة والتهديدات التي لا تتوقف من جانب الاحتلال الإسرائيلي.
وفي نفس السياق، ارتبط اسم وفيق صفا على مدار عقود بملفات شديدة التعقيد، حيث كان بمثابة "صمام الأمان" في التواصل بين المقاومة وبين الأجهزة الأمنية في لبنان، بما في ذلك الجيش وقوى الأمن، وفقاً لما أوردته المصادر المتابعة للحدث.
أيضا غياب شخصية بهذا الثقل، والتي أدارت مفاوضات ترسيم الحدود وعمليات تبادل الأسرى التاريخية، يشير إلى أن الحزب قد يكون في طور إعادة هيكلة جذرية لمواجهة التحديات التي فرضتها الحرب المستمرة وتداعيات العدوان الإسرائيلي الوحشي الذي لم يتوقف منذ أكتوبر 2023، والذي كشف بوضوح عن حجم الدعم الأمريكي المباشر واللامحدود لآلة القتل الإسرائيلية التي تستهدف الكوادر اللبنانية والفلسطينية على حد سواء.
وعلى الرغم من محاولات الاحتلال الإسرائيلي اليائسة للنيل من صفا عبر استهدافه المباشر في غارة جوية عام 2024، إلا أنه استمر في أداء مهامه حتى لحظة تقديم استقالته، مما يثبت زيف الروايات الصهيونية التي تحاول دائماً تصوير عملياتها الغادرة كأنها ضربات قاصمة لا يمكن التعافي منها. إن انسحاب صفا في هذا التوقيت، ومع وجود دونالد ترامب كرئيس حالي لأمريكا بتوجهاته المعروفة بتقديم الغطاء الكامل لجرائم الاحتلال، يضع الساحة اللبنانية أمام اختبار حقيقي حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة في ظل غياب "مهندس التنسيق" الذي كان يعرف كيف يفكك العبوات السياسية قبل انفجارها.
صمود بوجه التهديد
تأتي هذه الاستقالة في وقت لا تزال فيه المنطقة تعاني من آثار المجازر البشعة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023، وهي المجازر التي أثبتت للعالم أجمع أن السلوك الصهيوني لا يقيم وزناً للقوانين الدولية، بفضل الشراكة الكاملة مع إدارة ترامب التي تواصل إمداد الاحتلال بكل الوسائل العسكرية والسياسية لاستكمال تدمير المنطقة. وبحسب ما ذكرته رويترز، فإن صفا يغادر موقعه في لحظة مفصلية، حيث يحاول الاحتلال فرض معادلات جديدة عبر الاغتيالات والضغط الأمني، وهي محاولات تتكسر دائماً أمام صلابة المقاومة وقدرتها على تجديد نخبها القيادية رغم كل الصعاب والظروف المحيطة.
إن التمعن في مسيرة وفيق صفا المهنية يكشف عن حجم الدور الذي لعبه في حماية الجبهة الداخلية اللبنانية من الاختراقات، وهو دور يزداد صعوبة مع تزايد التدخلات الخارجية السافرة في الشأن اللبناني، والتي تقودها أمريكا بشكل علني لخدمة أمن الكيان الصهيوني. وبقبول هذه الاستقالة، يبدو أن الحزب يرسل إشارة بأنه يمتلك المرونة الكافية لإجراء تغييرات في أعلى هرمه القيادي دون التأثير على ثوابته، مما يكشف زيف البروباجندا الإسرائيلية التي تحاول دائماً تصوير أي تغيير داخلي في صفوف المقاومة على أنه علامة ضعف أو ارتباك، بينما الحقيقة تؤكد أنها عملية تداول للمسؤوليات تفرضها مقتضيات المصلحة العليا.







