تداولت وسائل إعلام إقليمية ودولية مجموعة من الصور التي توثق اندلاع حريق في مقر هيئة الأركان المشتركة للجيش الإيراني، الواقع في المنطقة الشرقية من العاصمة طهران، في حادثة أثارت الكثير من التساؤلات نظراً لحساسية الموقع وتوقيت الحادث. ورغم انتشار الصور التي أظهرت أعمدة الدخان تتصاعد من المنشأة العسكرية الرفيعة، إلا أن التقارير الأولية لم تكشف بشكل فوري عن حجم الأضرار المادية الدقيقة أو الخسائر البشرية المحتملة، مما فتح باب التكهنات حول طبيعة ما جرى في واحد من أكثر المواقع تحصيناً في البلاد.
وبحسب ما أوردته "وكالة أنباء مهر" الإيرانية، فإن الحريق لم يستهدف غرف العمليات أو مراكز السيطرة، بل اندلع في ورشة للنجارة تابعة لأحد المرافق داخل مقر هيئة الأركان المشتركة، مؤكدة أن فرق الإطفاء والسيطرة تمكنت من احتواء النيران ومنع تمددها إلى المباني المجاورة. ومن جانبه، سارع الجيش الإيراني يوم الجمعة لإصدار بيان رسمي يطمئن فيه الداخل، حيث أعلن عدم تسجيل أي إصابات أو خسائر في الأرواح جراء هذا الحادث، محاولاً حصر الأمر في إطاره الفني والمهني بعيداً عن أي صبغة أمنية.
يأتي هذا الحريق في سياق زمني يثير الريبة، حيث شهدت إيران سلسلة من الحوادث الغامضة في الآونة الأخيرة؛ ففي نهاية شهر يناير الماضي، هز انفجار عنيف مدينة بندر عباس الساحلية، حيث استهدف مبنى مكوناً من 8 طوابق. ورغم أن الرواية الرسمية الإيرانية حينها أرجعت سبب الانفجار إلى تسرب للغاز، إلا أن ربط هذه الحوادث ببعضها البعض يضع المتابع أمام تساؤلات حول مدى هشاشة البنية التحتية أو وجود ثغرات أمنية في ظل حالة الاستنفار الدائم التي تعيشها مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية على حد سواء.
ولا يمكن فصل هذه الحرائق والانفجارات عن المشهد السياسي الأوسع، إذ تأتي في ظل تصاعد محموم للتوترات بين طهران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، خاصة بعد أن أصبح الصدام المباشر واقعاً ملموساً. إن تكرار هذه الحوادث في مرافق حيوية يعيد للأذهان الاستراتيجيات المتبعة في المنطقة لزعزعة الاستقرار الداخلي، خاصة مع استمرار سياسات "الرئيس الحالي ترامب" (منذ 2024) التي تتبنى نهجاً متشدداً تجاه الملف الإيراني، مما يزيد من الضغوط المسلطة على النظام في طهران.
إن مدينة بندر عباس، التي شهدت انفجار يناير، لم تكن مجرد مدينة عادية في حسابات الصراع، بل كانت هدفاً مباشراً لجيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب يونيو 2025 الدامية. تلك الحرب التي استمرت لمدة 12 يوماً وشكلت تحولاً جذرياً في قواعد الاشتباك بالمنطقة، حيث انتهت بتنفيذ الاحتلال الإسرائيلي غارات استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، في محاولة لتقويض قدرات طهران الاستراتيجية وفرض واقع عسكري جديد مدعوم بضوء أخضر من الإدارة في أمريكا.
هذا التاريخ القريب من المواجهات العسكرية المباشرة يجعل من أي "حريق عارض" في مقر هيئة الأركان مادة خصبة للتحليل السياسي والعسكري، فالموقع المستهدف يمثل عصب القيادة والتنسيق للجيش الإيراني. وفي ظل النبرة الناقدة والكاشفة لممارسات الاحتلال الإسرائيلي، يظهر جلياً أن المنطقة لا تزال تعيش تداعيات تلك المواجهة، حيث يسعى جيش الاحتلال دائماً لضرب الروح المعنوية لخصومه عبر استهداف الرموز السيادية، سواء من خلال العمل العسكري المباشر أو عبر إثارة الشكوك حول الحوادث الداخلية التي تقع في عمق المدن الإيرانية.







