تستمر المأساة الإنسانية في قطاع غزة في تصدر المشهد العالمي مع دخول العدوان الإسرائيلي مراحل شديدة الخطورة من الناحية الديموغرافية والصحية، حيث أعلنت المصادر الطبية الفلسطينية عن ارتفاع حصيلة الضحايا إلى أرقام غير مسبوقة منذ نكبة عام 1948.
ووفقاً لآخر البيانات الرسمية الصادرة عن وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"، فقد ارتفع عدد الشهداء الموثقين إلى 72,027 شهيداً، بينما تجاوز عدد المصابين حاجز 171,561 جريحاً منذ انطلاق العمليات العسكرية في السابع من أكتوبر 2023.
هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصائيات جافة، بل تعكس واقعاً مريراً لعائلات بأكملها شُطبت من السجل المدني، وتكشف عن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والمنظومة الطبية التي باتت تصارع من أجل البقاء في ظل نقص حاد في المستلزمات الطبية الأساسية والوقود اللازم لتشغيل المستشفيات المتبقية.
ما بعد وقف إطلاق النار
على الرغم من آمال التهدئة التي رافقت إعلانات وقف إطلاق النار الجزئية، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار تدفق الضحايا نحو المنشآت الطبية المتهالكة، حيث سجلت الفترة التي تلت الحادي عشر من أكتوبر الماضي ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الشهداء والجرحى. وتفيد المصادر الطبية بأن إجمالي الشهداء منذ ذلك التاريخ وصل إلى 576 شهيداً، بينما بلغت الإصابات 1,543 إصابة، مما يؤكد أن العمليات العسكرية لم تتوقف بشكل كامل أو أنها اتخذت أشكالاً أخرى من الاستهداف المباشر.
هذا التصعيد المستمر يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية، خاصة وأن هذه الأرقام تأتي في وقت يعاني فيه سكان القطاع من حصار مشدد يمنع وصول المساعدات الإغاثية والطبية العاجلة، مما يفاقم من معاناة الجرحى الذين يحتاج الكثير منهم إلى عمليات جراحية معقدة وتدخلات طبية غير متوفرة حالياً داخل غزة.
مأساة المفقودين تحت الركام وعجز طواقم الإنقاذ
واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في التقرير الطبي الأخير هي الإشارة إلى وجود أعداد كبيرة من الضحايا الذين لا يزالون تحت ركام المنازل المدمرة وفي الطرقات العامة، حيث تعجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم.
وتؤكد المصادر أن العائق ليس فقط في كثافة القصف، بل في النقص الحاد في الآليات الثقيلة اللازمة لرفع الأنقاض، فضلاً عن استهداف الاحتلال المباشر لفرق الإنقاذ أثناء محاولتها أداء مهامها الإنسانية.
إن بقاء الجثامين في الطرقات وتحت الركام لفترات طويلة يمثل كارثة بيئية وصحية تلوح في الأفق، بالإضافة إلى الأثر النفسي المدمر على ذوي المفقودين الذين لا يستطيعون حتى مواراة أحبائهم الثرى، وهو ما وصفه حقوقيون بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تنص على ضرورة احترام كرامة الموتى وحماية الفرق الطبية.
تحديات العمل الميداني في ظل الانهيار الصحي
خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط، وصل إلى مستشفيات قطاع غزة شهيدان و25 إصابة، وهو رقم يعكس استمرار الاستنزاف اليومي للقوى البشرية والطبية في القطاع.
وتواجه المستشفيات ضغوطاً هائلة نتيجة تكدس الجرحى في الممرات والساحات، في حين تم انتشال 717 جثماناً في عمليات بحث مضنية قامت بها الفرق المحلية والمتطوعون.
إن هذا الضغط الهائل يضع الكوادر الطبية أمام خيارات صعبة في ظل انعدام غرف العمليات المجهزة وأقسام العناية المركزة، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى ارتقاء جرحى كان من الممكن إنقاذ حياتهم لو توفرت الظروف الطبية الملائمة. إن المنظومة الصحية في غزة لم تعد قادرة على استيعاب المزيد، وكل إصابة جديدة تضاف إلى القائمة تزيد من احتمالية الانهيار الشامل لما تبقى من نقاط طبية ميدانية تحاول تقديم الحد الأدنى من الإسعافات الأولية.
ضرورة التحرك الدولي لوقف النزيف
إن بلوغ حصيلة الضحايا لأكثر من 72 ألف شهيد يتطلب وقفة دولية جادة تتجاوز بيانات الإدانة والقلق، فالمعطيات الميدانية تشير إلى أن غزة تتحول سريعاً إلى مقبرة كبرى في ظل صمت عالمي مطبق. إن تأمين وصول طواقم الإسعاف إلى الضحايا تحت الركام، وفتح ممرات إنسانية حقيقية لإجلاء الجرحى ذوي الحالات الحرجة، وإدخال المعدات الطبية والوقود، هي مطالب ملحة لا تقبل التأجيل.
إن استمرار هذا العدوان وتصاعد أرقام الضحايا بهذا الشكل المتسارع ينذر بتحول القطاع إلى منطقة غير قابلة للحياة، مما يستوجب تفعيل آليات المحاسبة الدولية لضمان وقف نزيف الدم الفلسطيني وحماية المدنيين الذين باتوا وقوداً لهذه الحرب المدمرة التي لم تفرق بين طفل وامرأة ومسن.










