21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

فاتورة إبستين تطارد نخب القارة العجوز.. زلزال سياسي في أوروبا وهدوء مريب في واشنطن (مترجم)

تسببت الموجة الأخيرة من الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل في أمريكا حول ملف جيفري إبستين في إحداث زلزال سياسي غير مسبوق ضرب أركان النخب الحاكمة في أوروبا، حيث تساقطت رؤوس سياسية ودبلوماسية كبرى كأوراق الشجر

بقلم: محمد أبو غالي
٧ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
13 مشاهدة
فاتورة إبستين تطارد نخب القارة العجوز

فاتورة إبستين تطارد نخب القارة العجوز

تسببت الموجة الأخيرة من الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل في أمريكا حول ملف جيفري إبستين في إحداث زلزال سياسي غير مسبوق ضرب أركان النخب الحاكمة في أوروبا، حيث تساقطت رؤوس سياسية ودبلوماسية كبرى كأوراق الشجر، في مشهد كشف عن حجم التوغل الذي حققه الملياردير الراحل في مفاصل السلطة بالقارة العجوز. وبينما استيقظت العواصم الأوروبية على تحقيقات جنائية وإقالات طالت سفراء ووزراء، بدا المشهد في واشنطن تحت إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب أكثر تماسكاً أو ربما أكثر صمتاً، رغم أن جذور الفضيحة نبتت في التراب الأمريكي، وهو ما أثار تساؤلات حادة حول فاعلية أنظمة المحاسبة والشفافية على ضفتي الأطلسي.

 

وبحسب تقرير نشرته وكالة "أسوشيتد برس"، فإن القائمة الطويلة للشخصيات المتورطة شملت أمراء وسفراء ودبلوماسيين كبار، لم يسقطوا بسبب اتهامات مباشرة بممارسات غير أخلاقية، بل نتيجة علاقاتهم الودية والمستمرة مع إبستين حتى بعد إدانته رسمياً بجرائم جنسية بحق قاصرين في عام 2008. ويرى مراقبون أن "إيصالات" إبستين التي أصبحت علنية الآن، كشفت أن الرجل كان يجمع أصحاب النفوذ كما يجمع المسافرون نقاط الولاء، لكن الرحلة انتهت هذه المرة بتحطم المسيرة المهنية للعديد من الذين ظنوا أن علاقاتهم في الغرف المغلقة ستظل طي الكتمان.

بريطانيا في مهب الريح.. سقوط "الرجل القوي"


تصدرت بريطانيا قائمة الدول الأكثر تضرراً من هذه التسريبات، حيث وجد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر نفسه في مواجهة أزمة قيادية طاحنة عقب إقالته للسفير السابق لدى واشنطن، بيتر ماندلسون، في سبتمبر الماضي. وتكشف الملفات الجديدة أن ماندلسون، الذي كان يوصف بـ "الرجل القوي" في أروقة السياسة البريطانية، حافظ على تواصل وثيق مع إبستين لسنوات طويلة، بل إنه أشار في مراسلاته إلى يوم إطلاق سراح إبستين من السجن في 2009 بوصفه "يوم التحرير". واليوم، تلاحق الشرطة البريطانية ماندلسون بتهم تتعلق بتسريب معلومات حكومية حساسة للملياردير المدان، وسط مطالبات برلمانية بعزل ستارمر نفسه بسبب سوء تقديره في تعيين ماندلسون.

ولم تقتصر التداعيات البريطانية على الساسة فحسب، بل امتدت لتطال العائلة المالكة بشكل مباشر؛ فقبل ظهور هذه الملفات، جُرد أندرو ماونتباتن-ويندسور، شقيق الملك تشارلز الثالث، من ألقابه الأميرية ومنزله الممول من الضرائب بعد دفع ملايين لتسوية دعوى قضائية مع إحدى الضحايا. كما أعلنت سارة فيرغسون، زوجة أندرو السابقة، إغلاق مؤسستها الخيرية هذا الأسبوع تحت وطأة الضغوط. ويرى أستاذ العلوم السياسية روب فورد أن سرعة المحاسبة في بريطانيا تعود إلى وجود وسام إعلامي أكثر فاعلية وهيكل محاسبة برلماني يلزم رئيس الوزراء بالبقاء تحت ثقة النواب، فضلاً عن بقاء "درجة من العار" في السياسة البريطانية تجعل مثل هذه العلاقات غير مقبولة شعبياً.

الزلزال يضرب الشمال.. تحقيقات في النرويج والسويد

وفي سابقة تاريخية، تعرضت النرويج، التي تُعرف باستقرارها السياسي، لهزة عنيفة طالت أعلى هرم السلطة؛ إذ فتحت وحدة مكافحة الجرائم الاقتصادية تحقيقاً بالفساد ضد رئيس الوزراء السابق ثوربيورن ياغلاند، الذي ترأس سابقاً لجنة جائزة نوبل للسلام. كما طال التحقيق الثنائي الدبلوماسي البارز تيرجي رود-لارسن ومونا جول، مهندسي اتفاقيات السلام في التسعينيات، بعد الكشف عن أن إبستين خصص لأبنائهما 10 ملايين دولار في وصيته. ولم تسلم العائلة المالكة النرويجية من الشظايا، حيث اضطرت ولية العهد الأميرة ميت ماريت لتقديم اعتذار علني بعد كشف مراسلاتها مع إبستين حول رحلات تسوق ومواعيد طبية خاصة.

وعلى المنوال نفسه، شهدت السويد استقالة جوانا روبنشتاين، المسؤولة السابقة في الأمم المتحدة، بعد ثبوت زيارتها لجزيرة إبستين في الكاريبي عام 2012، بينما أطاحت الفضيحة في سلوفاكيا بمستشار الأمن القومي ميروسلاف لايتشاك. وفي بولندا، أعلن رئيس الوزراء دونالد توسك عن تشكيل فريق فحص دقيق للملفات للبحث عن ضحايا محتملين أو صلات محتملة بين إبستين وأجهزة الاستخبارات الروسية، مما يعكس تحول الفضيحة من قضية جنائية أخلاقية إلى ملف يتعلق بالأمن القومي للدول الأوروبية التي يخشى قادتها من أن يكون إبستين قد أثر في صنع السياسات الدولية عبر شبكة علاقاته "واسعة النطاق".

لغز واشنطن.. حصانة النخبة الأمريكية

في المقابل، يثير الهدوء النسبي في أمريكا تجاه شركاء إبستين المحليين الكثير من علامات الاستفهام، فرغم أن الرئيس الحالي دونالد ترامب واجه تساؤلات متكررة، إلا أن الإجراءات الفعلية ظلت محدودة مقارنة بأوروبا. ومن بين الشخصيات الأمريكية التي واجهت تداعيات، يبرز وزير الخزانة السابق لاري سامرز الذي أُجبر على أخذ إجازة من مناصبه الأكاديمية في هارفارد، وبراد كارب الذي استقال من رئاسة شركة محاماة كبرى. ومع ذلك، لا يزال آخرون مثل ستيف بانون، الاستراتيجي السابق لترامب، وهوارد لوتنيك، وإيلون ماسك، بعيدين عن أي إجراءات عقابية رسمية رغم ظهور أسمائهم في المراسلات أو ورود ذكر زياراتهم لجزيرة إبستين.

ويرى الخبراء أن النظام الرئاسي في أمريكا يمنح المسؤولين حماية أكبر من تلك التي يتمتع بها نظراؤهم في الأنظمة البرلمانية الأوروبية، حيث يصعب الإطاحة بمسؤول لمجرد "شبهة علاقة" ما لم تثبت ضده جريمة جنائية مباشرة. ومع إرغام الجمهوريين للرئيس الأسبق بيل كلينتون على الإدلاء بشهادته، تظل المحاسبة في واشنطن أسيرة التجاذبات الحزبية، مما يجعل نشر الوثائق من قبل وزارة العدل تحت إدارة ترامب سلاحاً ذا حدين؛ فهو يكشف الحقائق للعالم، لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على فجوة المحاسبة بين النخب الأمريكية التي تبدو "محصنة" حتى الآن، والنخب الأوروبية التي تدفع الثمن غالياً.

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال