21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

جنوب لبنان على طاولة السلطة… زيارة "سلام" تختبر مصداقية الدولة

في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا وأمنيًا، جاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى مناطق جنوب لبنان لتفتح أكثر من ملف دفعة واحدة، ولتطرح أسئلة تتجاوز البروتوكول إلى جوهر العلاقة بين الدولة وأطرافها الطرفية

بقلم: سماح عثمان
٨ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
6 مشاهدة
نواف سلام في جنوب لبنان

نواف سلام في جنوب لبنان

في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا وأمنيًا، جاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى مناطق جنوب لبنان لتفتح أكثر من ملف دفعة واحدة، ولتطرح أسئلة تتجاوز البروتوكول إلى جوهر العلاقة بين الدولة وأطرافها الطرفية، وبين المركز والمناطق التي دفعت تاريخيًا أثمانًا مضاعفة بفعل الاحتلال الإسرائيلي والتجاذبات الإقليمية. الزيارة، بما حملته من لقاءات وتصريحات، لم تكن مجرد جولة ميدانية، بل محاولة لإعادة تثبيت حضور الدولة في مساحة لطالما وُضعت خارج الحسابات الفعلية للسلطة.

جنوب لبنان، الذي يعيش منذ أكتوبر 2023 على وقع تداعيات الحرب الإسرائيلية على فلسطين، وما رافقها من تصعيد على الحدود اللبنانية، استقبل رئيس الحكومة وسط مناخ مشحون بالقلق، لكنه أيضًا مثقل بانتظار مزمن لوعود التنمية والحماية. من هنا، اكتسبت الزيارة بعدها الرمزي والعملي في آن واحد، ووضعت نواف سلام أمام اختبار مبكر لخطابه السياسي وقدرته على ترجمة الشعارات إلى خطوات ملموسة.

جنوب لبنان في قلب المشهد

اختار رئيس الحكومة أن يبدأ زيارته بجولات ميدانية شملت عددًا من القرى والبلدات الجنوبية، في رسالة واضحة تهدف إلى كسر صورة الدولة الغائبة عن الأطراف. هذه الجولات، بحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية، جاءت للاطلاع المباشر على الأوضاع المعيشية والأمنية، والاستماع إلى هموم السكان الذين يعيشون تحت تهديد دائم بفعل الخروقات الإسرائيلية المتكررة.

 

اللافت في هذه المحطة لم يكن فقط حضور رئيس الحكومة، بل طبيعة الخطاب الذي حاول من خلاله التأكيد أن الجنوب ليس هامشًا في السياسات العامة، بل جزء أساسي من معادلة الاستقرار الوطني. غير أن هذا الخطاب، على أهميته، اصطدم بواقع طويل من التهميش، جعل كثيرين يتعاملون معه بحذر، بانتظار أفعال تتجاوز الكلمات.

لقاءات موسعة

ضمن برنامج الزيارة، عقد نواف سلام لقاءات موسعة مع فعاليات محلية، شملت رؤساء بلديات، ممثلين عن المجتمع الأهلي، وشخصيات اجتماعية واقتصادية. هذه اللقاءات شكّلت مساحة مفتوحة لعرض المشاكل المتراكمة، من ضعف البنية التحتية، إلى الأضرار الناتجة عن الاعتداءات الإسرائيلية، وصولًا إلى الأزمات الاقتصادية التي تضرب المنطقة بقسوة مضاعفة.

الفعاليات المحلية، وفق ما أوردته تقارير صحفية لبنانية، شددت على ضرورة أن تتحول الزيارة إلى نقطة انطلاق لمسار مستدام من التواصل والتنفيذ، لا مجرد محطة إعلامية عابرة. في المقابل، حاول رئيس الحكومة إظهار انفتاحه على هذه المطالب، مؤكدًا أن حكومته تضع الجنوب ضمن أولوياتها، خصوصًا في ما يتعلق بتعزيز صمود السكان في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة.

الرسائل السياسية للزيارة

لم تكن زيارة الجنوب معزولة عن السياق الإقليمي الأوسع، ولا عن التصعيد الإسرائيلي المتواصل منذ أكتوبر 2023، والذي يستهدف غزة ويمتد بتداعياته إلى لبنان. في هذا الإطار، حملت الزيارة رسالة سياسية مفادها أن الدولة اللبنانية معنية بإدارة هذا الواقع، لا الاكتفاء بمراقبته من بعيد.

لكن هذه الرسالة اصطدمت، مرة أخرى، بسؤال القدرة الفعلية للدولة في ظل الضغوط الأمريكية والدولية، التي تفرض مقاربات أمنية وسياسية غالبًا ما تتجاهل حقيقة الاحتلال الإسرائيلي ودوره في زعزعة الاستقرار. من هنا، بدت زيارة نواف سلام وكأنها محاولة لإعادة التوازن بين خطاب سيادي مطلوب داخليًا، وواقع إقليمي تفرضه موازين قوى مختلة.

ما بعد الزيارة

الرهان الحقيقي لا يكمن في الزيارة بحد ذاتها، بل في ما سيليها. الجنوب، الذي اعتاد زيارات المسؤولين في لحظات الأزمات، ينتظر ترجمة الوعود إلى سياسات واضحة، سواء على مستوى الإعمار، أو الدعم الاقتصادي، أو الموقف السياسي الصريح من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.

في هذا السياق، تبدو زيارة رئيس الحكومة خطوة أولى لا أكثر، تضعه أمام مسؤولية ثقيلة: إما أن تتحول إلى بداية مسار يعيد الاعتبار لدور الدولة في حماية مواطنيها، أو أن تُضاف إلى أرشيف طويل من الجولات التي لم تغيّر في الواقع شيئًا. الجنوب، كما يقول أبناؤه، لم يعد بحاجة إلى خطابات مطمئنة، بل إلى قرارات تحميه من نار الاحتلال وتعيد له موقعه الطبيعي في قلب الدولة، لا على هامشها.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال