ساهم التغير المناخي في الكرة الأرضية، في عملية اندلاع الحروب والنزاعات المسلحة في كافة بقاع الأرض وهو لم يعد مجرد أزمة بيئية منعزلة، بل تحول إلى "مضاعف للمخاطر" يؤجج الصراعات حول الموارد الشحيحة.
وبحسب تقرير شامل لمنظمة "الأمم المتحدة"، فإن الجفاف التصحر اللذين يضربان مناطق واسعة من الشرق الأوسط وأفريقيا يدفعان المجتمعات نحو حافة الانهيار الاقتصادي، مما يخلق بيئة خصبة للاضطرابات السياسية والحروب الأهلية التي تستنزف ميزانيات الدول وتدمر أحلام الشعوب في الاستقرار، في وقت يتجاهل فيه العالم المتقدم مسؤولياته التاريخية عن الانبعاثات الكربونية التي يدفع ثمنها الفقراء دماً ودموعاً.
هذا التدهور البيئي يتغذى بشكل مباشر على آلة الحرب التي لا تهدأ، حيث تساهم العمليات العسكرية الضخمة في زيادة الاحتباس الحراري عبر انبعاثات هائلة ناتجة عن تحركات الأساطيل والطائرات وشحن الأسلحة عبر المحيطات.
ووفقاً لبيانات "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام"، فإن الإنفاق العسكري العالمي في عام 2025 وصل إلى مستويات قياسية، وهو ما يمثل إهدارا فادحا للموارد المالية التي كان من المفترض توجيهها لتمويل التحول الأخضر وحماية المدنيين من تقلبات المناخ القاسية، مما يضع النظام العالمي في مفارقة أخلاقية كبرى: كيف يمكن حماية الكوكب بينما تُستثمر المليارات في أدوات إفناء البشرية وتدمير التربة والهواء؟
محرقة غزة والتغير المناخي
تعد حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغربية منذ أكتوبر 2023 مثالاً صارخاً على الجريمة البيئية والإنسانية المزدوجة، حيث لم تكتفِ آلة القتل بتدمير الحجر والبشر، بل أحدثت تلوثاً طويل الأمد في التربة والمياه الجوفية نتيجة استخدام القذائف الفسفورية والمتفجرات الثقيلة.
وبحسب تقارير "الهلال الأحمر الفلسطيني" وشبكات حقوقية دولية، فإن الاحتلال يتعمد تدمير المنظومات البيئية وسحق البنية التحتية للصرف الصحي، مما أدى إلى انتشار الأوبئة وتسمم الموارد الطبيعية المحدودة أصلاً، وهي استراتيجية تهدف إلى جعل الحياة مستحيلة في الأرض الفلسطينية، تحت غطاء من الرواية الإسرائيلية الزائفة التي تدعي الحداثة والحفاظ على الطبيعة بينما تمارس أقذر أنواع التدمير الممنهج.
إن الشراكة الأمريكية في هذه الكارثة تتجاوز مجرد الدعم السياسي، حيث يظهر الدور الأمريكي المباشر من خلال تزويد الاحتلال بآلاف الأطنان من القنابل التي تفتك بالبيئة والإنسان على حد سواء، مما يجعل واشنطن شريكاً أصيلاً في "الإبادة البيئية" التي تجري في فلسطين.
وتؤكد تحليلات "الجزيرة نت"، أن الصمت الدولي تجاه هذه الجرائم يشجع الاحتلال على مواصلة سياسة الأرض المحروقة، وهو ما يضرب في مقتل أي جهود عالمية للحديث عن العدالة المناخية، إذ كيف يمكن للعالم أن يصدق دعوات حماية الطبيعة بينما تُباد مدن كاملة وتُحرق مزارع الزيتون التاريخية في فلسطين بأحدث تكنولوجيا القتل الأمريكية والغربية؟
المصالح النفطية فوق أي اعتبار مناخي
على الجانب الآخر من المحيط، يقود الرئيس الحالي دونالد ترامب (منذ 2024) توجها اقتصاديا يضع المصالح النفطية فوق أي اعتبار مناخي، حيث اتخذت إدارته قرارات حاسمة بالانسحاب الفعلي من الالتزامات البيئية الدولية لصالح التوسع في التنقيب عن الوقود الأحفوري داخل أمريكا.
وبحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن ترامب يرى في الطاقة الرخيصة وسيلة لفرض الهيمنة الأمريكية المطلقة على الاقتصاد العالمي، معتبراً أن التحذيرات المناخية هي "عقبات سياسية" تعطل نمو الصناعات الثقيلة، وهو ما أدى إلى زيادة حادة في الإنتاج المحلي الأمريكي من النفط الصخري، مما تسبب في ارتباك داخل الأسواق العالمية وضغط هائل على الدول التي تحاول الموازنة بين النمو والحفاظ على البيئة.
هذه السياسة "الترامبية" تسببت في فجوة عميقة بين أمريكا والاتحاد الأوروبي الذي يحاول التمسك بـ "الميثاق الأخضر"، مما أدى إلى نشوب حرب تجارية مستترة تحت شعارات الطاقة، حيث تستخدم واشنطن صادراتها من الغاز المسال كأداة لابتزاز الحلفاء والخصوم على حد سواء. ووفقاً لتقديرات "وكالة الطاقة الدولية" في فبراير 2026، فإن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تسارع وتيرة الاحترار العالمي بشكل لا يمكن تداركه، حيث تُقدم المكاسب المالية السريعة للشركات الكبرى على حساب أمن الكوكب المستقبلي، مما يجعل الاقتصاد العالمي رهينة في يد "لوبيات" النفط التي تجد في البيت الأبيض حالياً الملاذ والداعم الأول لخططها التوسعية.
فواتير المناخ الباهظة
تتزايد التكلفة الاقتصادية للكوارث المناخية بشكل مرعب، حيث لم تعد الخسائر تقتصر على التعويضات المباشرة، بل امتدت لتضرب سلاسل الإمداد العالمية ومعدلات النمو في مقتل. وبحسب دراسة نشرتها "بلومبرغ"، فإن اضطراب الملاحة في القنوات المائية الحيوية نتيجة الجفاف وتزايد الأعاصير، بالتزامن مع التوترات العسكرية في البحر الأحمر والمتوسط، قد رفع أسعار السلع الأساسية بنسبة تفوق 30% منذ مطلع العام الجاري، مما وضع ميزانيات الدول النامية في مأزق حقيقي وأدى إلى موجات تضخم غير مسبوقة تنهك جيوب الفقراء وتزيد من الفوارق الطبقية بين الشمال والجنوب.
هذا التداخل بين ندرة الموارد وجشع القوى الكبرى يخلق حلقة مفرغة من المعاناة، حيث تُجبر الدول الفقيرة على الاقتراض بفوائد مرتفعة لمواجهة آثار تغير المناخ وبناء ما دمرته النزاعات، مما يعزز تبعيتها للنظام المالي الغربي.
وتؤكد التقارير الميدانية، أن الفشل في إيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية ووقف المجازر الإسرائيلية، بالتوازي مع غياب الإرادة الأمريكية الحقيقية لخفض الانبعاثات، سيقود العالم نحو كارثة وجودية حيث يلتقي الانفجار البيئي بالانفجار الاجتماعي، ليدفع العالم أجمع ثمن أنانية القوى التي تظن أنها بمأمن من غضب الطبيعة أو ثورات المظلومين.






