أكد الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، عزات جمال، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن المرحلة الراهنة تشهد تصاعداً غير مسبوق في مخططات حكومة اليمين الفاشي داخل إسرائيل، التي باتت تنطلق من رؤية واضحة ترى في اللحظة السياسية المواتية فرصة ذهبية لحسم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عبر استخدام القوة المفرطة وفرض سياسة الأمر الواقع.
وأوضح جمال أن وجود إدارة أمريكية جمهورية برئاسة دونالد ترامب، التي وصفها بأنها إدارة "منفلتة من كل القيم والقوانين الدولية"، يمثل المحرك الأساسي لهذه التحركات، حيث تعمل واشنطن بكل قوتها لخدمة المشروع الصهيوني وتوفير الحصانة السياسية له، هذه البيئة الدولية سمحت لوزراء متطرفين مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بتحويل المستوطنين إلى "ذراع ضارب" في الضفة الغربية، من خلال تسليح الميليشيات وتوفير الإطارات القانونية والموازنات الضخمة لشرعنة وجودهم، وصولاً إلى إقرار تشريعات تهدف لضم الأراضي الفلسطينية تحت مسمى "أرض دولة"، في تحدٍ صارخ ليس فقط للقانون الدولي، بل ولأبرز الحلفاء في أوروبا والدول العربية الوازنة مثل مصر والمملكة العربية السعودية.
واستطرد جمال في تحليله مشيراً إلى أن التحركات الميدانية لبعض الدبلوماسيين الأمريكيين، وعلى رأسهم مايك هاكبي، تعكس عمق الانحياز الأيديولوجي، حيث لم يتوقف الأمر عند الدعم السياسي بل وصل إلى الاحتفاء برؤى دينية تلمودية متطرفة، مثل قصة "البقرات الحمراء" التي يربيها المستوطنون بهدف هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم وإن قيام مسؤولين أمريكيين بزيارة المستوطنات والإدلاء بتصريحات تمجد الاحتلال يمثل ضربة قاضية للإرادة الدولية التي تصنف الاستيطان كجريمة حرب والمستوطنات ككيانات غير شرعية، هذا التماهي بين الرؤية اليمينية الإسرائيلية والغطاء الدبلوماسي الأمريكي يؤسس لمرحلة من "الفوضى القانونية" التي تسعى فيها إسرائيل لشطب الخطوط الحمراء التاريخية وتغيير ديموغرافيا الأرض المحتلة بشكل نهائي، مما يضع المنطقة برمتها على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة نتيجة هذا الاستفزاز الديني والسياسي.
تصفية الحقوق الوطنية
وفي سياق كشف المخططات السياسية العميقة، حذر المحلل عزات جمال من محاولات الاحتلال المستمرة لـ "أنسنة" القضية الفلسطينية، وهي استراتيجية تهدف إلى اختزال حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والسياسية في مجرد مطالب "إغاثية" تتعلق بالغذاء والدواء والماء.
وأوضح أن الاحتلال يسعى جاهداً لتصوير الفلسطينيين كلاجئين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية فقط، وليس كشعب يرزح تحت أبشع احتلال عنصري وسادي عرفه التاريخ الحديث وإن حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، بالتوازي مع جرائم التطهير العرقي وهدم البيوت ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية والقدس المحتلة، كلها أدوات تخدم هذا الهدف النهائي وهو "شطب الحقوق الوطنية" ومن خلال تحويل الأنظار نحو الكوارث الإنسانية التي يصنعها الاحتلال بنفسه، يحاول قادة الكيان حرف البوصلة عن لب الصراع المتمثل في الأرض المغتصبة وحق تقرير المصير، وهو ما اعتبره جمال محاولة بائسة لن تجدي نفعاً أمام وعي الشعب الفلسطيني وتجذره في أرضه.
وشدد جمال في تصريحاته لـ "180 تحقيقات" على أن حق الشعب الفلسطيني في العيش الكريم والحصول على مقومات الحياة الأساسية من غذاء ودواء هو حق أصيل لا يمكن الجدال فيه، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال قبول المشاريع "الخدمية" أو "الإنسانية" كبديل أو ثمن للحقوق الوطنية السياسية وإن التاريخ الفلسطيني المعاصر، والانتفاضات المتلاحقة التي خاضها الشعب، كانت دائماً خير شاهد على أن المطالب المعيشية لا يمكن أن تطفئ جذوة السعي نحو الحرية والاستقلال فالاحتلال يحاول عبر هذه "الأنسنة" الزائفة تبرئة نفسه من جرائمه وتقديم نفسه كجهة "مديرة للأزمة" بدلاً من كونه "مسبباً للعدوان"، وهي مغالطة تاريخية يحاول تمريرها بمباركة قوى دولية ترى في السلام الاقتصادي حلاً بديلاً عن الحل العادل والشامل، وهو ما يرفضه الفلسطينيون قيادة وشعباً.
نداء الوحدة والصمود
أمام هذه اللحظة التاريخية الحرجة والحساسة، وجه الكاتب عزات جمال نداءً عاجلاً إلى كافة الفصائل الفلسطينية وقيادة السلطة بضرورة التوحد الفوري وفق رؤية وطنية جامعة تتجاوز الخلافات الداخلية.
وأكد أن عربدة الاحتلال وغطرسته لا يمكن التصدي لها بصفوف منقسمة، بل يتطلب الأمر جبهة موحدة تضع الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني فوق كل اعتبار هذه الوحدة ليست مجرد ترف سياسي، بل هي ضرورة وجودية للدفاع عن الأرض والمقدسات أمام الهجمة الصهيونية الشرسة التي تستهدف الجميع دون استثناء. كما طالب جمال بضرورة تفعيل المقاومة الشعبية والسياسية في كافة المحافل الدولية لتعرية وجه الاحتلال القبيح وفضح ممارساته العنصرية التي تخالف كافة المواثيق والأعراف الإنسانية، مشيراً إلى أن القوة لا يمكن أن تصنع حقاً طالما أن صاحب الحق متمسك بقضيته.
وعلى صعيد الدور العربي والإسلامي، شدد المحلل السياسي على أن المسؤولية تقع أيضاً على عاتق "إخوتنا في الدول العربية والإسلامية وأحرار العالم" لتشكيل حاضنة حقيقية تدعم صمود الإنسان الفلسطيني هذا الدعم لا يجب أن يقتصر على البيانات والخطابات، بل يجب أن يتحجم في خطوات عملية تهدف لتثبيت الناس في أرضهم، ومسح آلام الجرحى، وإعادة بناء ما دمرته آلة الحرب الإسرائيلية في غزة والضفة إن توفير مقومات الصمود هو السلاح الأقوى في مواجهة مخططات التهجير والضم، حيث يمثل بقاء الفلسطيني فوق أرضه الضمانة الوحيدة لإفشال مشروع "حسم الصراع" الذي تروج له حكومة اليمين المتطرف.
واختتم جمال حديثه بالتأكيد على أن منطقتنا تعيش مرحلة إعادة تشكيل، وأن صمود الفلسطينيين هو الصخرة التي ستتحطم عليها كل المؤامرات الهادفة لتصفية قضيتهم العادلة.






