4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

فضيحة إبستين العابرة للقارات.. جزيرة تسقط النخب في الفخ

علق عدد من الخبراء والمتخصصين في العلاقات الدولية، على فضيحة إبستين والتي لم تعد مجرد قضية جنائية تتعلق بجرائم أخلاقية، بل تحولت إلى أزمة سيادية تضرب صميم الأنظمة الدبلوماسية في القارة العجوز.

بقلم: محمد أبو غالي
٩ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
17 مشاهدة
فضيحة إبستين العابرة للقارات.. جزيرة تسقط النخب في الفخ

فضيحة إبستين العابرة للقارات.. جزيرة تسقط النخب في الفخ

علق عدد من الخبراء والمتخصصين في العلاقات الدولية، على فضيحة جيفري إبستين والتي لم تعد مجرد قضية جنائية تتعلق بجرائم أخلاقية، بل تحولت إلى أزمة سيادية تضرب صميم الأنظمة الدبلوماسية في القارة العجوز.

ووصف خبراء القانون الدولي في لندن، ومنهم مارك ستيفنز بحسب ما نقلته شبكة "بوسطن 25"، إبستين بأنه كان "جامعاً للشخصيات النافذة" كما يجمع البعض نقاط السفر، مما خلق شبكة معقدة من الابتزاز السياسي غير المعلن.

إن سقوط أسماء مثل السفيرة النرويجية آن ديسيمور، وقبلها اللورد ماندلسون في بريطانيا، يكشف عن هشاشة نظام الفحص الأمني (Due Diligence) في وزارات الخارجية الأوروبية، والتي يبدو أنها عجزت عن رصد تغلغل "المال الأسود" والشخصيات المشبوهة في دوائر صنع القرار العليا.

ووفقاً لتحليلات نشرتها صحيفة "ذا جارديان" في فبراير 2026، فإن هذه الوثائق قدمت لمحة غير مسبوقة عن كيفية إدارة النفوذ وبناء المصالح بعيداً عن أعين الرقابة الديمقراطية، مما أدى إلى تآكل الثقة الشعبية في المؤسسات الدبلوماسية.

ويشير المتخصصون إلى أن ما يحدث الآن هو عملية "تطهير قسري" قد تمتد لسنوات، حيث تجد الحكومات الأوروبية نفسها مضطرة لتقديم أكباش فداء من العيار الثقيل لامتصاص غضب الشارع، خاصة بعد أن كشفت التسريبات أن بعض هؤلاء الدبلوماسيين استمروا في علاقاتهم مع إبستين حتى بعد إدانته الرسمية، مما يضع علامات استفهام كبرى حول المعايير الأخلاقية التي تحكم اختيار ممثلي الدول في الخارج.

ارتباك الحلفاء تحت إدارة ترامب

في أمريكا، ومع استمرار ولاية الرئيس الحالي دونالد ترامب، اتخذت القضية أبعاداً استقطابية حادة، حيث يرى مراقبون سياسيون أن الإدارة الحالية تتعامل مع ملفات إبستين كأداة للضغط السياسي الداخلي والخارجي على حد سواء. وبحسب تقارير "القاهرة الإخبارية"، فإن هناك مفارقة صارخة تكمن في أن الفضيحة أدت إلى سقوط رؤوس سياسية ودبلوماسية كبيرة في أوروبا، بينما يبدو المشهد في واشنطن أكثر تماسكاً أو ربما "تحصيناً"، وهو ما يعزز الرواية القائلة بأن أمريكا تمارس نوعاً من الحماية الانتقائية لشخصياتها النافذة بينما تترك الحلفاء الأوروبيين يواجهون عواصف التسريبات بمفردهم، مما يهدد بتوتر العلاقات الدبلوماسية بين ضفتي الأطلسي.

ويؤكد متخصصون في "يورأكتيف" أن التداعيات لم تقف عند حدود الاستقالات، بل امتدت لتشمل مخاوف من اختراقات استخباراتية دولية، حيث أشار رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك إلى ضرورة فحص صلات إبستين بأجهزة استخبارات أجنبية، بما في ذلك الروسية، مما يحول الفضيحة من إطارها الأخلاقي إلى إطار "الأمن القومي".

ارتباك دبلوماسي يأتي في وقت حساس جدا

إن هذا الارتباك الدبلوماسي يأتي في وقت حساس جدا، حيث تحتاج القارة الأوروبية إلى وحدة الموقف لمواجهة التحديات الجيوسياسية، لكن "ظلال إبستين" باتت تطارد كل طاولة مفاوضات، وتجعل من كل مسؤول ورد اسمه في السجلات -حتى لو كزائر عابر- هدفاً محتملاً للابتزاز أو الإقالة، مما يشل حركة الدبلوماسية الناعمة التي كانت تعتمد عليها دول مثل النرويج والسويد.

وكشفت القراءات النقدية للمتخصصين في مراكز الدراسات الإقليمية أن فضيحة إبستين هي المسمار الأخير في نعش "الوعظ الأخلاقي" الغربي، حيث يظهر بوضوح كيف تلاشت الفوارق الأيديولوجية بين أقصى اليمين وأقصى اليسار داخل تلك "النوادي المغلقة" للنخبة العالمية.

وتتعاظم هذه الانتقادات عند ربطها بالدور الأمريكي المباشر في الحروب الراهنة، فبينما ينشغل العالم بتفاصيل "جزيرة الرعب" لإبستين، تستمر أمريكا برئاسة ترامب في توفير الغطاء السياسي والعسكري الكامل للاحتلال الإسرائيلي لمواصلة مجازره في غزة، والتي لم تتوقف منذ أكتوبر 2023، وهو ما يراه الخبراء دليلاً دامغاً على أن المنظومة الدولية التي تحمي الفاسدين أخلاقياً هي نفسها التي تشرعن القتل الجماعي تحت ذريعة الدفاع عن النفس.

ويرى المحللون أن تورط شخصيات نرويجية وسويدية -وهي دول طالما ادعت التمسك بالقيم الإنسانية المطلقة- يثبت أن هذه الشعارات ليست سوى أدوات تسويقية للاستهلاك العام، بينما تُدار السياسة الحقيقية عبر شبكات من المصالح المظلمة. إن إبراز زيف الرواية الإسرائيلية وتهافت الدعم الأمريكي لها يتقاطع مع فضيحة إبستين في نقطة واحدة: وهي أن القوة والثروة في الغرب باتت تعمل فوق القانون وفوق الأخلاق، وأن الدبلوماسية الدولية فقدت بوصلتها الأخلاقية لصالح "كارتيلات" نفوذ عابرة للحدود، مما يوجب على الدول العربية ودول الجنوب العالمي إعادة النظر في جدية الوساطات الغربية التي تقودها شخصيات قد تكون رهينة لسجلات سوداء في خزائن الابتزاز الدولي.

تآكل الثقة في المنظمات الدولية

لم تسلم المنظمات الدولية من شظايا هذه الانفجارات المتتالية، حيث أشارت تقارير "سيكولابيديا" إلى استقالة مسؤولين في الأمم المتحدة وجهات أكاديمية مرموقة مثل معهد MIT وهارفارد بسبب قبول تمويلات مشبوهة من إبستين. إن هذا التغلغل المالي في المؤسسات التي تُصيغ السياسات العالمية وتُنتج المعرفة يضع الدبلوماسية الدولية في مأزق "المصداقية المفقودة"، حيث أصبح من الصعب إقناع الرأي العام بأن هذه المؤسسات تعمل بشكل مستقل عن أجندات الممولين الكبار، مهما بلغت درجة انحرافهم السلوكي أو الجنائي.

وفي نهاية المطاف، يجمع المتخصصون على أن "تأثير الفراشة" لهذه الفضيحة سيغير بروتوكولات العمل الدبلوماسي مستقبلاً، حيث ستخضع العلاقات الشخصية للدبلوماسيين لرقابة أمنية مشددة تماثل الرقابة على حساباتهم المالية. ومع ذلك، يظل التساؤل قائماً حول قدرة هذه المنظومة على إصلاح نفسها، طالما أن مراكز القوة في أمريكا، وتحت الإدارة الحالية لترامب، لا تزال تمارس سياسة الكيل بمكيالين، فتحاسب صغار الموظفين وتغض الطرف عن الكبار، في مشهد يكرس هيمنة "النخبة الحصينة" على حساب العدالة الدولية وحقوق الشعوب المقهورة التي تدفع ثمن هذه السياسات الملتوية من دمائها ومقدراتها.

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال