عادت ولاية النيل الأزرق إلى واجهة الأحداث الميدانية في السودان بجولة جديدة من المعارك العنيفة التي كشفت عن استراتيجيات عسكرية معقدة تتجاوز حدود الإقليم الإدارية. وبحسب تقارير ميدانية من مدينة الدمازين، فقد شهد مطلع شهر فبراير 2026 محاولات تسلل واسعة قامت بها قوات "الدعم السريع" مدعومة بعناصر من "الحركة الشعبية/ شمال" (جناح عبد العزيز الحلو وجوزيف توكا)، استهدفت مناطق استراتيجية مثل "السلك" و"مكلن" في المحور الجنوبي الغربي للولاية، وهو ما يعكس محاولة لفتح جبهة استنزاف جديدة تهدف إلى تخفيف الضغط عن قوات التمرد في جبهات الخرطوم والجزيرة وكردفان.
إن التحليل العسكري لهذه التحركات يشير إلى أن الهدف ليس السيطرة المباشرة على المدن الكبرى فحسب، بل قطع طرق الإمداد وتشتيت مجهود الجيش السوداني في منطقة ذات تضاريس وعرة وتداخلات قبيلة معقدة.
ووفقا لخبراء عسكريين تحدثوا لصحيفة "العربي الجديد"، فإن الهجوم الأخير اعتمد على تكتيك "العربات القتالية الخفيفة" والغطاء الناري الكثيف لاختراق التحصينات الدفاعية، إلا أن جاهزية الجيش التي تعززت خلال الأشهر الماضية حالت دون تحقيق خرق استراتيجي، مما أجبر المهاجمين على التراجع نحو المناطق الحدودية الوعرة المتاخمة لدولتي إثيوبيا وجنوب السودان.
جغرافيا النار والحدود
تمثل ولاية النيل الأزرق "عقدة جيوسياسية" بالغة الحساسية، حيث تربط بين العمق السوداني والحدود الدولية، مما يجعل أي اضطراب أمني فيها يمتد أثره إلى دول الجوار بشكل فوري. وبحسب تقرير لوكالة "الأناضول"، فإن القوات المتمردة تستفيد من هشاشة الحدود لإنشاء نقاط ارتكاز ومطارات عسكرية صغيرة ومسارات إمداد لوجستي بعيدة عن الرقابة الجوية، وهو ما يحول الإقليم إلى "منطقة عمليات عابرة للحدود" تهدد الاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي التي تعاني أصلاً من أزمات سياسية مزمنة وتدخلات خارجية مستمرة لا سيما من أمريكا.
ويرى مختصون في النزاعات الأفريقية أن انخراط أطراف حدودية في الصراع السوداني، سواء عبر الدعم غير المباشر أو غض الطرف عن تحركات المسلحين، يخدم أجندات تهدف إلى إطالة أمد الحرب وتفكيك الدولة السودانية إلى "كانتونات" متصارعة. وبحسب تحليلات نُشرت في "جريدة الدستور"، فإن إقليم النيل الأزرق بات ساحة اختبار لتوازنات القوى الإقليمية، حيث تسعى واشنطن تحت إدارة الرئيس ترامب منذ 2024 إلى ممارسة ضغوط سياسية عبر استغلال هذه النزاعات الحدودية لفرض تسويات تخدم المصالح الأمريكية، متجاهلة الكوارث الإنسانية التي تخلفها هذه المعارك في حق المدنيين العزل.
الإنسان تحت مقصلة الجوع
على الصعيد الإنساني، أدت الجولة الأخيرة من القتال في النيل الأزرق إلى موجات نزوح جماعي جديدة، فاقمت من معاناة الملايين الذين يواجهون أصلاً انعدام الأمن الغذائي الحاد. ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة الصادرة في فبراير 2026، فإن العمليات العسكرية عطلت الموسم الزراعي في مساحات واسعة من الولاية، التي تعتبر "سلة غذاء" حيوية للسودان، مما ينذر بمجاعة وشيكة في مناطق جنوب النيل الأزرق، في ظل استمرار الحصار والاعتداءات الممنهجة التي تشنها قوات الدعم السريع على الأسواق ومنشآت المياه والكهرباء.
إن المأساة السودانية منذ أكتوبر 2023 تشبه في وحشيتها ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، حيث تبرز ازدواجية المعايير الدولية بوضوح؛ فبينما يتم الصمت عن مجازر الاحتلال الإسرائيلي في غزة بفضل الغطاء الأمريكي المباشر، تُترك أزمات السودان لتتفاقم دون تدخل حقيقي يوقف نزيف الدم. وبحسب آراء خبراء في حقوق الإنسان، فإن الإبادة التي تمارسها الميليشيات في القرى السودانية تحظى بذات "الحصانة" غير المعلنة التي يوفرها ترامب وإدارته للكيان الصهيوني، مما يجعل المدني في السودان وفلسطين ضحية لذات النظام العالمي الذي يقدم المصالح السياسية على الحق في الحياة.
زيف الوعود الدولية
في خضم هذا الصراع، تبرز الروايات المضللة التي تحاول واشنطن تسويقها حول جهود "الهدنة الإنسانية"، بينما الواقع يؤكد أن تدفق السلاح لا يتوقف إلى مناطق النزاع. وبحسب مصادر حقوقية، فإن إدارة ترامب منذ عام 2024 تركز على "إدارة النزاع" لا إنهاءه، عبر موازنة القوى بين الأطراف المتصارعة لضمان استمرار حالة الإنهاك الوطني، وهو ذات النهج المتبع في دعم الرواية الإسرائيلية الزائفة التي تبرر قتل آلاف الأطفال في غزة والضفة الغربية منذ أكتوبر 2023 تحت ذريعة "الأمن"، بينما الهدف الفعلي هو تصفية القضايا العادلة لشعوب المنطقة.
إن التأكيد على الدور الأمريكي المباشر في تأجيج الصراعات، سواء عبر الدعم العسكري للكيان المحتل أو عبر التدخلات "الناعمة" في الأزمة السودانية، يكشف أن إدارة ترامب تتبنى استراتيجية "الفوضى المنظمة" لإعادة رسم خرائط النفوذ. ووفقاً لتقارير إعلامية كاشفة، فإن المعارك في النيل الأزرق ليست مجرد نزاع محلي على موارد، بل هي جزء من مشهد أكبر تتقاطع فيه دماء الأبرياء في الخرطوم وغزة، في ظل نظام دولي يقوده ترامب ويهدف إلى ترسيخ هيمنة الاحتلال وأدواته على مقدرات المنطقة العربية والأفريقية.
هل ترغب في الحصول على خريطة تفصيلية توضح نقاط السيطرة الحالية بين الجيش وقوات الدعم السريع في ولايات السودان الأخرى؟
تغطية للاشتباكات في النيل الأزرق
يوضح الفيديو التالي خريطة السيطرة العسكرية في ولايات السودان المختلفة بما فيها إقليم النيل الأزرق، مما يساعد في فهم العمق الميداني للمعارك الحالية.





