يقدّم الدكتور إسماعيل تركي، أستاذ العلوم السياسية، قراءة تحليلية معمّقة لجملة من التطورات المتسارعة في المشهد الفلسطيني-الإسرائيلي، كاشفًا الترابط بين القرارات الإسرائيلية الأخيرة ومصير القضية الفلسطينية، والهواجس المرتبطة بالشرعية الرمزية لدولة فلسطين، والتحركات الأمنية داخل قطاع غزة، وصولًا إلى أبعاد زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في ظل تحولات الموقف الأمريكي منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة مجددًا في 2024.
القضية الفلسطينية وقرارات الكابينت
يؤكد إسماعيل تركي في تصريحات خاصة لـ"180 تحقيقات"، أن ما أقرّه الكابينت الإسرائيلي مؤخرًا لا يمكن فصله عن استراتيجية طويلة الأمد تستهدف تصفية القضية الفلسطينية عبر تفكيكها إلى وحدات معزولة، من خلال سياسة تقوم على تقسيم المقسّم، وتجزئة المجزّأ، وتقطيع المقطّع. هذه السياسة لا تهدف فقط إلى إدارة الاحتلال، بل إلى فرض وقائع ديموغرافية وقانونية تجعل أي تسوية مستقبلية، خصوصًا حل الدولتين، أمرًا شبه مستحيل.
ويؤكد أن نقل الصلاحيات المدنية في الضفة الغربية من المؤسسة العسكرية إلى هيئات مدنية استيطانية يمثّل انتقالًا نوعيًا من نموذج الاحتلال العسكري المؤقت، الذي كان يُسوَّق له دوليًا، إلى نموذج الضم الفعلي غير المُعلن. الخطورة هنا لا تكمن في التوسع الاستيطاني بحد ذاته، بل في تجاوز المرجعية القانونية الدولية التي شكّلت، ولو جزئيًا، قيدًا على سلوك الاحتلال. هذا المسار يسعى إلى نسف حل الدولتين ومحو القضية الفلسطينية، وتفكيك منظومة الشرعية الدولية، ونزع ما تبقّى من شرعية سياسية عن السلطة الفلسطينية، وتحويلها إلى جهاز إداري بلا مضمون سيادي، وفق تحليل تركي.
صراع الشرعية
يتوقف الدكتور تركي عند المخاوف الإسرائيلية من ختم «دولة فلسطين» على جوازات السفر عبر معبر رفح، معتبرًا أن هذه الحساسية تعكس إدراكًا إسرائيليًا عميقًا لقوة الرمز السيادي في العلاقات الدولية. فالدولة، كما يوضح، لا تُبنى فقط بالقوة العسكرية، بل بتراكم رموز السيادة: جواز سفر، علم، ختم رسمي، ومعبر حدودي.
ويأتي هذا القلق الإسرائيلي في سياق زخم دولي متصاعد للاعتراف بدولة فلسطين، إذ تجاوز عدد الدول المعترفة بها 160 دولة حول العالم، من بينها أربع دول من حاملي العضوية الدائمة في مجلس الأمن. هذا الواقع، بحسب تركي، يُنظر إليه في إسرائيل باعتباره تهديدًا مباشرًا لمخططات اليمين المتطرف، ما يدفعها إلى محاولة استبدال ختم «دولة فلسطين» بصيغ قانونية أو إدارية بديلة، تهدف إلى نزع الشرعية عن السلطة والدولة الفلسطينية عبر ذرائع سياسية تخدم مشروع تصفية القضية الفلسطينية.
غزة والضفة
يشدد أستاذ العلوم السياسية على أن الموقف الإسرائيلي الرافض لختم جوازات السفر لا ينفصل عن رؤية أوسع تقوم على رفض أي مسار يهيّئ لوجود نواة دولة فلسطينية أو دعم القضية الفلسطينية على كامل التراب الوطني.
فإسرائيل، وفق هذا التحليل، تسعى إلى تكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، ونزع الشرعية السياسية عن القطاع، وعزله ككيان منفصل، بما يتناقض مع حقيقة أن غزة جزء لا يتجزأ من القضية الفلسطينية.
كما يؤكد أن إصرار الاحتلال على التحكم في المعابر ليس إجراءً أمنيًا فحسب، بل أداة سيادية بامتياز، تُستخدم لإعادة تعريف من يملك القرار، ومن يُمنح صفة الكيان السياسي المعترف به، في إطار حرب شاملة على فكرة الدولة الفلسطينية ذاتها.
ردع الداخل
في ما يتعلّق بتهديدات كتائب القسام بحق المتعاونين مع الاحتلال، يرى الدكتور تركي أنها تندرج ضمن محاولة لإعادة بناء الردع الداخلي في قطاع غزة. أمنيًا، تهدف هذه التهديدات إلى منع إعادة إنتاج شبكات إدارة محلية تعمل كأذرع استخباراتية للاحتلال، وتسهم في تفكيك البنية الاجتماعية من الداخل.
أما نفسيًا، فتسعى كتائب القسام، بحسب التحليل، إلى التأكيد على استمرار فاعليتها الأمنية، وترميم الردع الداخلي بعد اختراقات سابقة أدت إلى اغتيال عدد من قيادات الحركة. وتحمل هذه التهديدات رسالة مزدوجة: رسالة للداخل مفادها أن السيطرة لم تُكسر، ورسالة للاحتلال بأن محاولات التفكيك الاجتماعي ستُواجَه بكلفة مرتفعة.
واشنطن والقلق
يصل بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، كما يوضح الدكتور إسماعيل تركي، وهو مثقل بتحديات داخلية متراكمة، تتراوح بين تقدّم محاكماته، وتحميله مسؤولية أحداث السابع من أكتوبر، وصولًا إلى الضغوط المتعلقة بتنفيذ مراحل اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة. غير أن هاجسه المركزي يتمثل في احتمال التوصل إلى تفاهم أمريكي-إيراني لا يراعي الشروط والمطالب الإسرائيلية.
من وجهة النظر الإسرائيلية، يتمثل الخيار المفضل في الدفع نحو عملية عسكرية انتقامية ضد إيران، تستهدف برنامجها النووي والصاروخي، مع اعتبار أن أي صفقة تركز على الملف النووي دون تفكيك القدرات الصاروخية والنفوذ الإقليمي الإيراني تشكّل تهديدًا حقيقيًا لإسرائيل.
تباين الأولويات
في المقابل، يرى تركي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأركان إدارته باتوا أكثر ميلًا لإدارة المخاطر عبر سياسة الضغوط القصوى، بدل الانخراط في مواجهات كبرى في الشرق الأوسط. فمثل هذه المواجهات، وفق الحسابات الأمريكية، قد تكون كلفتها السياسية والعسكرية والمالية باهظة على واشنطن، وقد تنعكس داخليًا بخسارة الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، خاصة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية للمواطن الأمريكي.
هذا التباين في الأولويات، كما يخلص الدكتور إسماعيل تركي، لا يعني انهيار التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، لكنه كافٍ لإثارة قلق استراتيجي عميق لدى إسرائيل، في لحظة إقليمية تتكثف فيها المتغيرات، وتتعرّى فيها أكثر فأكثر حدود القوة الإسرائيلية أمام صمود القضية الفلسطينية وزيف روايتها الرسمية.








