يستعدّ الاتحاد الأوروبي لطرح عدة خيارات تتيح إدراج مسألة انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد ضمن أي اتفاق سلام مستقبلي، في خطوة تعكس تحوّلًا سياسيًا لافتًا في مقاربة بروكسل للحرب الدائرة وتداعياتها الاستراتيجية. وتهدف هذه الخيارات إلى تجاوز الجمود القائم بين منطق الحرب ومتطلبات التوسّع الأوروبي، دون انتظار استكمال المسار التقليدي للعضوية الكاملة.
وبحسب تحليل نشرته وكالة بلومبيرغ استنادًا إلى مصادر مطلعة على النقاشات الجارية، فإن مؤسسات الاتحاد الأوروبي تبحث صيغًا تسمح لكييف بالاستفادة المبكرة من بعض حقوق ومزايا العضوية. ويأتي ذلك حتى قبل الانتهاء الرسمي من إجراءات الانضمام، ضمن مرحلة انتقالية تُمنح فيها أوكرانيا مكانة شبه عضوية.
وتعكس هذه المقاربة إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن مستقبل الأمن الأوروبي بات مرتبطًا بشكل مباشر بمآلات الحرب في أوكرانيا، وبضرورة تقديم حوافز سياسية واستراتيجية تعزز صمود كييف، دون القفز الكامل فوق الأطر القانونية والمؤسسية المعتمدة داخل الاتحاد.
حقوق عضوية قبل الانضمام الكامل
من بين السيناريوهات المطروحة، وفق المصادر ذاتها، منح أوكرانيا مزايا مشتقة من عضوية الاتحاد “منذ البداية”، بما يشمل الوصول الفوري إلى بعض السياسات والآليات الأوروبية. ويُفترض أن يترافق ذلك مع وضع جدول زمني واضح ومحدد للخطوات المطلوبة من كييف لاستكمال إجراءات الانضمام الرسمي.
وتشمل الخيارات الأخرى التي يجري تداولها الاستمرار في مسار الانضمام الحالي دون إدخال تعديلات جوهرية عليه، أو اعتماد فترة انتقالية طويلة نسبيًا تتيح دمج أوكرانيا تدريجيًا في هياكل الاتحاد ومؤسساته. ويهدف هذا الطرح إلى تحقيق توازن بين الدعم السياسي لأوكرانيا والحفاظ على وحدة الموقف الأوروبي الداخلي.
وتجري هذه المناقشات في سياق بالغ الحساسية، ما دفع المسؤولين المشاركين فيها إلى التحدث بشرط عدم الكشف عن هوياتهم. ويعكس هذا التحفّظ حجم الخلافات المحتملة داخل الاتحاد، وخشية بعض الدول الأعضاء من تداعيات سياسية وقانونية لتسريع مسار انضمام دولة تخوض حربًا مفتوحة.
الانضمام كجزء من معادلة السلام
أكد متحدث باسم المفوضية الأوروبية لوكالة بلومبيرغ أن مستقبل انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي يُعد جزءًا من نقاشات أوسع تتعلق بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام. وأوضح أن الاتحاد لا يتعامل مع مسألة الانضمام بمعزل عن السياق الجيوسياسي والأمني المحيط بها.
وأشار المتحدث إلى أن الاتحاد الأوروبي يعتمد بالفعل آليات لنسج علاقات وثيقة مع الدول المرشحة قبل حصولها على العضوية الكاملة. وفي حالة أوكرانيا، يجري توظيف أدوات قائمة ضمن اتفاقية التجارة الحرة المعمّقة والشاملة (DCFTA) لتعزيز الاندماج الاقتصادي والمؤسسي.
ويعكس هذا التوجّه رغبة بروكسل في تقديم دعم عملي يتجاوز الخطاب السياسي، مع الإبقاء على الإطار القانوني للانضمام قائمًا، بما يحفظ تماسك الاتحاد ويحدّ من الاعتراضات الداخلية.
مسار تفاوضي متعثر
كانت أوكرانيا قد حصلت على صفة الدولة المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي في عام 2022، عقب الغزو الروسي واسع النطاق. وفي نهاية عام 2023، تلقت الضوء الأخضر لبدء مفاوضات الانضمام، في خطوة اعتُبرت آنذاك إنجازًا سياسيًا كبيرًا لكييف.
وانطلقت المفاوضات رسميًا في عام 2024، إلا أن المسار سرعان ما واجه عقبات داخلية، أبرزها اعتراض المجر على فتح فصول التفاوض. ويُعد هذا الاعتراض مثالًا على التحديات البنيوية التي تواجه عملية التوسّع، والتي تتطلب إجماع جميع الدول الأعضاء.
ويكشف هذا التعثر أن مسألة انضمام أوكرانيا لا ترتبط فقط باستيفاء المعايير التقنية، بل تتأثر أيضًا بحسابات سياسية داخلية لكل دولة عضو، ما يجعل أي تسريع استثنائي للمسار موضع جدل واسع.
2027 بين الطموح والاعتراض
تتضمن مسودة خطة سلام من 20 نقطة، أعدّتها أوكرانيا بالتعاون بشكل أساسي مع الولايات المتحدة، تصورًا لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2027. وتنص الخطة على منح كييف بعض مزايا العضوية خلال فترة انتقالية تسبق الانضمام الكامل.
ويؤكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مرارًا أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2027 يشكّل ضمانة أمنية جوهرية لبلاده. ويرى أن هذا الهدف لا يقتصر على البعد الاقتصادي أو السياسي، بل يندرج في إطار تثبيت موقع أوكرانيا ضمن المنظومة الغربية.
في المقابل، تواجه هذه الرؤية اعتراضات من عدد من القادة الأوروبيين. فقد صرّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس مؤخرًا بأن انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد بحلول عام 2027 “غير واقعي”، مشددًا على أن عملية التوسّع تتطلب توافق جميع الدول الأعضاء واستيفاء شروط معقدة تستغرق عادة سنوات طويلة، ما يعكس عمق الانقسام الأوروبي حول وتيرة هذا المسار وحدوده.









