21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

برلماني مصري سابق بالعلاقات الخارجية يفند لـ "180 تحقيقات" انعكاسات فضيحة إبستين الجيوسياسية

قال الدكتور محمد عماد صابر، إن فضيحة إبستين لمن تعد تُقرأ اليوم باعتبارها ملفًا جنائيًا مغلقًا أو جريمة أخلاقية مكتملة الأركان

بقلم: محمد أبو غالي
١٠ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
25 مشاهدة
انعكاسات فضيحة إبستين الجيوسياسية

انعكاسات فضيحة إبستين الجيوسياسية

قال الدكتور محمد عماد صابر، إن فضيحة إبستين لمن تعد تُقرأ اليوم باعتبارها ملفًا جنائيًا مغلقًا أو جريمة أخلاقية مكتملة الأركان، بل تحولت— مع موجات التسريبات وإعادة فتح الوثائق— إلى أداة سياسية وسردية تُستخدم داخل الصراعات الكبرى على النفوذ والشرعية، وأن ما جرى لم يعد سؤالًا عن ذنب فرد، بل عن منظومة إدارة الانكشاف، وكيف تُحوَّل الفضائح إلى أوراق ضغط، أو إلى دروع حماية، أو إلى وسائل إعادة تموضع في لحظة عالمية مضطربة.

لماذا فضيحة إبستين الآن؟

التوقيت في السياسة لا يكون بريئًا.. إعادة ضخ ملف إبستين في هذا التوقيت تتقاطع مع حالة إنهاك داخلي في الغرب، واستقطاب سياسي حاد، وتراجع واضح في الثقة العامة بالمؤسسات.. حين تُفتح الملفات على دفعات، ويُكشف بعض الأسماء ويُحجب بعضها، يصبح التوقيت جزءًا من المعنى: ليس كشفًا كاملًا للحقيقة، بل إدارة محسوبة لها.

هذا التسييس لا يعني اختلاق الوثائق، بل يعني انتقائية العرض، وتحويل الوقائع من مسار المحاسبة إلى مسار توظيف النفوذ، وهنا يبدأ الملف في التحول من شأن أخلاقي إلى قضية جيوسياسية.

كيف عمل إبستين؟

التحول الأخطر في قراءة القضية هو الانتقال من سؤال “ماذا فعل إبستين؟” إلى سؤال “كيف عمل؟”.. الوثائق والتقارير تشير إلى نمط رجل يتحرك كـوسيط علاقات، لا كفاعل معزول: شبكة تمتد بين المال والسياسة، وتستفيد من المساحات الرمادية بين القانون والدبلوماسية غير الرسمية.


في هذا الإطار، يصبح إبستين نموذجًا لا استثناءً: نموذج يوضح كيف تعمل الوساطة الخلفية في عالم تتشابك فيه اللوبيات، وتُدار فيه القنوات بعيدًا عن المؤسسات، وتُستخدم فيه تهمة “الإرهاب” أو “الشرعية الأخلاقية” كورقة ابتزاز سياسي.

من أكثر أبعاد القضية حساسية هو ما يكشفه الملف عن دور إسرائيل كبوابة نفوذ داخل السياسة الأمريكية. ليس لأن إسرائيل “صنعت” إبستين، بل لأن شبكات النفوذ المرتبطة بها في واشنطن تحولت إلى ممر إلزامي لمن يريد التأثير أو الحماية أو تخفيف الضغط.


هذا المنطق ظهر بوضوح في سياقات إقليمية، أبرزها أزمات الخليج، حيث جرى الترويج لفكرة أن تخفيف العزلة أو تحسين الصورة في واشنطن يمر عبر قنوات إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة، وهنا يصبح التطبيع— في أحد أوجهه— عملة نفوذ لا خيارًا سياسيًا فقط، وتُهمَّش القضية الفلسطينية لصالح صفقات توازن مؤقتة.

تهمة الإرهاب كسلاح انتقائي

أحد أخطر الانعكاسات الجيوسياسية لملف إبستين هو تعرية الاستخدام السياسي لتهمة الإرهاب. فالوثائق والمراسلات التي ترد في سياق وساطات وضغوط تُظهر كيف تُستدعى هذه التهمة حين تخدم الهدف، وتُجمَّد حين تتعارض مع مصالح النخبة.
هذا الانتقاء يُسقط الشرعية الأخلاقية لمن يرفع التهمة، لأنه يكشف أن المعيار ليس أخلاقيًا ولا قانونيًا، بل سياسيًا محضًا. وحين تُستخدم التهمة لإخضاع دول أو تشويه حركات أو تبرير حصارات، بينما تُحمى نخب متورطة في انتهاكات جسيمة، فإن المعركة تنتقل من ساحة الأمن إلى ساحة المعيار.

فلسطين في قلب المعنى لا على هامشه

القضية الفلسطينية هي الأكثر تضررًا من هذا التسييس. ليس فقط لأن شبكات داعمة لإسرائيل استفادت من المال والنفوذ، بل لأن السردية الأخلاقية التي تُهاجم بها المقاومة تُبنى على أرض رخوة. كلما انكشفت حصانة النخب، تآكلت قدرة الخطاب الغربي على تصنيف الضحية والمقاوم وفق معايير مزدوجة.

غزة، في هذا السياق، لم تُحرج القوة العسكرية فقط، بل كسرت صورة التفوق الأخلاقي. وملف إبستين جاء ليُعمّق هذا الكسر، لا لأنه السبب، بل لأنه دليل إضافي على منظومة تتهم الآخرين بما تعجز عن محاسبة نفسها عليه.

نستطيع ان نقول اخيرا " الفخ" هو ما تبقى ان نشير اليه. ان
الخطر الأكبر في التعامل مع الملف هو الانزلاق إلى الأسطرة: تحويل الوقائع إلى خرافات، أو الادعاء بوجود طقوس وكيانات بلا دليل. هذا يخدم المنظومة التي نريد مساءلتها، لأنه يتيح لها إسقاط النقد كله بوصفه “نظريات مؤامرة”.
القوة الحقيقية هنا في الوقائع القابلة للفحص: التمويل، الوساطة، المراسلات، الحصانة، وانتقائية المحاسبة. هذه وحدها كافية لإسقاط الادعاء الأخلاقي، دون أي حاجة إلى مبالغات تُضعف الرسالة.

فضائح إبستين ليست نهاية قصة، بل بداية سؤال: من يملك حق الاتهام الأخلاقي؟ ومن يملك معيارًا واحدًا للجميع؟ في عالم تتراجع فيه الثقة بالمؤسسات، تصبح الشرعية الأخلاقية رأس مال نادرًا، ومن يفقدها يفقد القدرة على القيادة— even لو امتلك القوة.


المعركة اليوم ليست على تفاصيل الماضي، بل على معنى المستقبل: هل تُدار السياسة بمعايير مزدوجة، أم يُستعاد ميزان واحد يُحاسِب الجميع؟ هنا، تتحول الفضيحة من صدمة مُحبِطة إلى فرصة وعي— إن أُحسن توظيفها.

 

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال