أعلن رئيس كولومبيا جوستافو بيترو، اليوم الأربعاء، أنه نجا قبل ساعات من محاولة اغتيال كانت تستهدفه خلال تحركه إلى منطقة على الساحل الكاريبي، في حادثة تعكس حجم التهديدات التي باتت تطوّق أعلى هرم السلطة في كولومبيا. وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، فإن مروحية الرئيس تعذّر عليها الهبوط في وجهتها المحددة بعد ورود مخاوف أمنية من وجود أشخاص، لم يُكشف عن هوياتهم، كانوا يعتزمون إطلاق النار عليها فور وصولها.
وخلال اجتماع للحكومة نُقل على الهواء مباشرة، قدّم بيترو روايته لما جرى، مؤكدًا أن الطائرة غيّرت مسارها بشكل اضطراري لتفادي الاستهداف، وقال: «اتّجهنا إلى عرض البحر لأربع ساعات ووصلت إلى مكان لم نكن ننوي الذهاب إليه، هربًا من التعرض للقتل». هذا التحول المفاجئ في مسار الرحلة يعكس، وفق مراقبين، درجة الخطورة التي تتعامل بها الأجهزة الأمنية مع أي تهديد محتمل ضد الرئيس، خصوصًا في مناطق تنشط فيها شبكات تهريب المخدرات والجماعات المسلحة.
رئيس كولومبيا وتهديدات متكررة
الحادثة الأخيرة لم تكن الأولى من نوعها في مسيرة بيترو الرئاسية، إذ سبق أن أعرب في نوفمبر 2025 عن مخاوفه من تعرّضه لمحاولة اغتيال، وذلك عقب فرض «واشنطن» عقوبات عليه وعلى أفراد من عائلته. حينها، اعتبر الرئيس الكولومبي أن تلك التطورات رفعت منسوب التهديدات ضده، في ظل مناخ سياسي وأمني متوتر داخليًا وخارجيًا.
وخلال الأشهر الماضية، أعلن بيترو أكثر من مرة تلقيه معلومات استخباراتية تشير إلى وجود مخططات تستهدف اغتياله، متهمًا كارتلات المخدرات وعناصر من المافيا الدولية بالوقوف خلف تلك التهديدات. ويرى أن سياسات حكومته، التي تركز على تقويض النفوذ الاقتصادي والعسكري لهذه الشبكات، ألحقت أضرارًا مباشرة بمصالحها، ما دفعها – بحسب تعبيره – إلى محاولة التخلص منه سياسيًا أو جسديًا.
صراع مع الكارتلات
تأتي هذه التطورات في سياق صراع طويل ومعقد بين الدولة الكولومبية وكارتلات المخدرات التي تمثل أحد أبرز الفاعلين غير الرسميين في البلاد، وتمتلك نفوذًا اقتصاديًا وعسكريًا ممتدًا عبر الحدود. ومنذ توليه السلطة، تبنّى بيترو خطابًا يربط بين تفكيك شبكات التهريب وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز العدالة الاجتماعية، معتبرًا أن اقتصاد المخدرات ليس مجرد نشاط إجرامي بل منظومة متكاملة تتغذى على الفقر والفساد وامتدادات خارجية.
غير أن المواجهة مع هذه الكيانات لا تجري في فراغ، إذ تتداخل فيها اعتبارات داخلية وخارجية، خصوصًا في ظل تاريخ طويل من التعاون الأمني بين كولومبيا وأمريكا في ملف مكافحة المخدرات. ويرى بعض المحللين أن أي تغيير جذري في مقاربة الدولة لهذا الملف قد يصطدم بتوازنات إقليمية ودولية حساسة، ما يجعل موقع الرئيس أكثر هشاشة في مواجهة خصومه، سواء داخل البلاد أو خارجها.
تحديات المرحلة
تكشف محاولة الاستهداف الأخيرة، سواء كانت نتيجة مخطط مباشر أو تهديد أمني جدي، عن هشاشة البيئة الأمنية التي يتحرك فيها الرئيس الكولومبي، وعن حجم المخاطر التي تحيط بمشروعه السياسي. فمجرد اضطرار مروحية رئاسية إلى التحليق لساعات في عرض البحر هربًا من رصاص محتمل، يعكس واقعًا تتقاطع فيه السياسة مع العنف المنظم.
وفي ظل تكرار التحذيرات من مخططات اغتيال، يواجه بيترو اختبارًا مزدوجًا: الحفاظ على أمنه الشخصي وأمن مؤسسات الدولة من جهة، والاستمرار في تنفيذ سياسات تستهدف تقويض نفوذ الكارتلات من جهة أخرى. وبين هذين المسارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة في كولومبيا، حيث لا يبدو الصراع على السلطة والنفوذ بعيدًا عن لغة السلاح.










