كشفت وكالة رويترز، استنادًا إلى مصادر مطلعة ووثائق داخلية وصور أقمار صناعية، أن إثيوبيا تستضيف معسكرًا سريًا لتدريب آلاف المقاتلين لصالح ميليشيات الدعم السريع، التي تخوض حربًا مفتوحة ضد الجيش السوداني منذ 2023. ويُمثل هذا المعسكر، وفق التقرير، أول دليل مباشر على انخراط أديس أبابا ميدانيًا في الصراع السوداني، بما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية خطيرة.
غير أن البعد الأكثر حساسية في التحقيق لا يتعلق بإثيوبيا وحدها، بل بالدور الإماراتي الذي يظهر – وفق ثمانية مصادر بينها مسؤول حكومي إثيوبي رفيع – كعامل تمويل وتخطيط ودعم لوجستي وعسكري للمشروع، في تطور يعكس اتساع رقعة التدخلات الإقليمية في واحدة من أكثر الحروب دموية في القارة الإفريقية.
الدور الإماراتي: تمويل وتسليح
بحسب المصادر التي تحدثت إلى رويترز، فإن الإمارات موّلت إنشاء المعسكر، وقدّمت مدربين عسكريين ودعمًا لوجستيًا متكاملًا، وهو ما أكدته مذكرة صادرة عن أجهزة الأمن الإثيوبية وبرقية دبلوماسية اطلعت عليهما الوكالة. وتشير الوثائق إلى أن 4300 مقاتل من ميليشيات الدعم السريع كانوا يتلقون تدريبات في الموقع مطلع يناير، مع استمرار تدفق الإمدادات.
ورغم أن وزارة الخارجية الإماراتية نفت، في رد رسمي، أي مشاركة في الأعمال القتالية، مؤكدة أنها “ليست طرفًا في الصراع”، فإن التقرير يربط بين الدعم اللوجستي والعسكري وبين تصاعد قدرة ميليشيات الدعم السريع على فتح جبهات جديدة، خصوصًا في ولاية النيل الأزرق جنوب السودان.
حرب مفتوحة منذ 2023
اندلعت الحرب الأهلية السودانية في 2023 إثر صراع على السلطة بين الجيش وميليشيات الدعم السريع، قبل انتقال سياسي كان يفترض أن يقود إلى حكم مدني. ومنذ ذلك الحين، تحوّل السودان إلى ساحة اقتتال دموي تخللته مجاعة واسعة النطاق وجرائم ذات دوافع عرقية، فيما نزح ملايين المدنيين إلى مصر وتشاد وليبيا وجنوب السودان.
ويؤكد التقرير أن الطرفين يستندان إلى داعمين خارجيين، ما يغذي الحرب ويضاعف مخاطر انتقالها إلى دول الجوار، في ظل هشاشة الحدود وتداخل المصالح الإقليمية.
موقع استراتيجي حساس
يقع المعسكر في منطقة بني شنقول-قمز غرب إثيوبيا، قرب الحدود مع السودان وجنوب السودان، على بعد نحو 32 كيلومترًا من الحدود السودانية و101 كيلومتر من سد النهضة الإثيوبي. وتُظهر صور الأقمار الصناعية إزالة أحراش وبناء منشآت بأسقف معدنية بدءًا من أبريل، قبل توسع النشاط بشكل واضح في أكتوبر.
ووفق برقية دبلوماسية مؤرخة في نوفمبر، يتسع المعسكر لنحو عشرة آلاف مقاتل، مع وصول عشرات سيارات لاند كروزر والشاحنات الثقيلة ووحدات من ميليشيات الدعم السريع ومدربين إماراتيين. وأكد مسؤولون عسكريون رصد قوافل ضخمة في منتصف نوفمبر، إحداها تضم 56 شاحنة، وأخرى 70 شاحنة تقل مئات المتدربين.
لوجستيات عبر أصوصا
رُصدت شاحنات تحمل شعار شركة جوريكا جروب الإماراتية للخدمات اللوجستية متجهة نحو المعسكر عبر بلدة أصوصا، وفق شاهدين رسميين، فيما لم ترد الشركة على طلب التعليق. كما أظهرت صور التقطتها شركة “فانتور” في 24 نوفمبر وجود أكثر من 640 خيمة، بما يسمح باستيعاب ما لا يقل عن 2500 مقاتل.
ورغم أن شركة “جينز” الاستخباراتية لم تؤكد بشكل قاطع أن الموقع عسكري، فإن حجم البنية التحتية وحركة القوافل العسكرية يعززان فرضية استخدامه كمركز تدريب مكثف لمليشيات الدعم السريع.
مطار يتحول لقاعدة مسيّرات
إلى جانب المعسكر، يشهد مطار أصوصا – على بعد 53 كيلومترًا – أعمال تطوير واسعة منذ أغسطس 2025، شملت إنشاء حظيرة جديدة للطائرات، وساحات انتظار، ومحطة تحكم أرضية للطائرات المسيّرة وهوائيًا للأقمار الصناعية. وأكد مسؤول إثيوبي رفيع أن الجيش يعتزم تحويل المطار إلى مركز عمليات للطائرات المسيّرة ضمن شبكة تضم خمسة مراكز أخرى.
ويرى محللون عسكريون أن البنية التحتية الجديدة تشبه تجهيزات قواعد مسيّرات أخرى في إثيوبيا، ما يعزز فرضية استخدام المطار في دعم عمليات ميليشيات الدعم السريع عبر الحدود. وأشار مسؤول حكومي إثيوبي ومحلل أمني إلى أن الإمارات ساهمت كذلك في تمويل تطوير المطار، وهو ما لم تتمكن رويترز من التحقق منه بشكل مستقل.
الإمارات وإثيوبيا.. تحالف يتعمق
تُعد أبوظبي داعمًا رئيسيًا لحكومة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد منذ 2018، حيث تعهدت بتقديم مساعدات واستثمارات بقيمة ثلاثة مليارات دولار، بينها مليار دولار لدعم البنك المركزي الإثيوبي. كما وقّعت القوات الجوية الإماراتية والإثيوبية مذكرة تفاهم في 2025 لتعزيز القدرات الجوية والدفاعية للبلدين.
ويعكس هذا التقارب العسكري والاقتصادي أرضية خصبة لتنسيق أمني أوسع، خصوصًا في ظل توتر الحدود الغربية لإثيوبيا، وحساسية موقع سد النهضة.
مخاطر إقليمية
أعرب ثلاثة مسؤولين ودبلوماسيين إقليميين عن قلقهم من قرب المعسكر من سد النهضة، خشية تحوله إلى هدف في حال اتساع رقعة القتال. كما حذّر مصدر دبلوماسي من أن إعادة تموضع القواعد الجوية غرب البلاد جزء من استراتيجية لمواجهة تهديدات محتملة على الحدود السودانية.
ويخلص التحقيق إلى أن بناء المعسكر وتطوير المطار يشكلان مؤشرًا على إعادة تشكيل خريطة الصراع السوداني عبر تحالفات عابرة للحدود، تتصدرها – وفق المعطيات الواردة – الإمارات، التي تُتهم منذ سنوات بدعم ميليشيات الدعم السريع، وهو اتهام يمنحه خبراء أمميون ومشرعون أمريكيون قدرًا من المصداقية.
يكشف التقرير عن تداخل عسكري ولوجستي إقليمي يعمّق تعقيد الحرب السودانية، ويحولها من صراع داخلي على السلطة إلى ساحة تنافس جيوسياسي مفتوحة بين قوى إفريقية وشرق أوسطية، وسط غياب أي أفق قريب لوقف إطلاق النار.








