كشف مكتب إعلام الأسرى التابع لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، في بيان صحفي صدر اليوم الأربعاء الحادي عشر من فبراير لعام 2026، عن تطورات خطيرة تتعلق بملف الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
وأفاد المكتب بأن عدد الأسيرات القابعات حالياً في السجون قد ارتفع ليصل إلى 59 أسيرة، وذلك عقب حملة مسعورة استهدفت النساء الفلسطينيات بشكل منهجي منذ السابع من أكتوبر 2023.
حيث سجلت المؤسسات الحقوقية أكثر من 680 حالة اعتقال لنساء في مختلف مناطق الضفة الغربية والقدس والداخل المحتل. هذه الحصيلة المرتفعة تعكس سياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الاحتلال، والتي لا تفرق بين كبير أو صغير.
حيث تشمل قائمة المعتقلات قاصرات لم يبلغن سن الرشد، بالإضافة إلى استمرار اعتقال محررات صفقات التبادل السابقة وصحفيات وأكاديميات، مما يؤكد أن الاستهداف يطال النخب والرموز النسوية الفلسطينية بشكل متعمد لتغييب دورهن المجتمعي والوطني.
غياب البيانات وتغييب معتقلات قطاع غزة
أثار بيان مكتب إعلام الأسرى نقطة في غاية الخطورة تتعلق بمعتقلات قطاع غزة، حيث أكد أن الحصيلة المعلنة (59 أسيرة) لا تشمل النساء اللواتي جرى اعتقالهن من القطاع خلال العمليات البرية والمجازر المستمرة هناك.
وأوضح البيان أن هؤلاء المعتقلات يواجهن مصيراً مجهولاً داخل معسكرات تابعة للجيش الإسرائيلي، بعيداً عن رقابة الصليب الأحمر الدولي أو المؤسسات الحقوقية الرسمية، فيما يُعرف بـ "الإخفاء القسري". إن امتناع سلطات الاحتلال عن الكشف عن أعداد وأسماء وأماكن احتجاز معتقلات غزة يثير مخاوف حقيقية من تعرضهن لعمليات تصفية ميدانية أو تعذيب وحشي ممنهج، خاصة في ظل الشهادات المسربة التي تتحدث عن ظروف مأساوية داخل المعسكرات السرية التي تفتقر لأدنى المقومات البشرية، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية عاجلة للضغط على إسرائيل للكشف عن مصيرهن.
ملفات طبية مهملة وقضايا إنسانية حادة
تضم قائمة الأسيرات الفلسطينيات حالات إنسانية وطبية تستوجب التدخل الدولي العاجل، حيث أشار البيان إلى وجود أسيرتين مصابتين بمرض السرطان يواجهن سياسة "الإهمال الطبي المتعمد" التي تتبعها إدارة السجون كأداة للقتل البطيء، حيث يُحرمون من جرعات العلاج الكيماوي والفحوصات الدورية اللازمة.
ومن أكثر الحالات إيلاماً التي ذكرها المكتب، هي حالة الأسيرة التي وضعت مولودها داخل السجن في ظروف قاسية، حيث تفتقر الأم وطفلها لأدنى مستويات الرعاية الصحية أو التغذية السليمة، مما يشكل جريمة تندى لها جباه الإنسانية.
كما نوه البيان إلى وجود قاصرتين في السجون، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً لاتفاقية حقوق الطفل الدولية، مشيراً إلى أن هذه السياسات تهدف إلى تحطيم الروح المعنوية للمرأة الفلسطينية وكسر صمودها الأسطوري أمام آلة القمع العسكرية.
الاعتقال الإداري وسلاح "التحريض" القانوني
تعمد سلطات الاحتلال إلى استخدام تهمة "التحريض" عبر مواقع التواصل الاجتماعي كمظلة قانونية لتبرير اعتقال النساء والفتيات الفلسطينيات، وهي تهمة فضفاضة تفتقر لأي دليل مادي ملموس.
وبحسب معطيات مكتب إعلام الأسرى، فإن نحو ثلث الأسيرات الفلسطينيات يُحالن إلى "الاعتقال الإداري"، وهو إجراء غير قانوني يتم بموجبه احتجاز الشخص دون توجيه لوائح اتهام رسمية أو محاكمة عادلة، استناداً إلى ما يسمى بـ "الملف السري" الذي تمنع المخابرات الإسرائيلية المحامين من الاطلاع عليه.
هذا النوع من الاعتقال التعسفي يترك الأسيرات وعائلاتهن في حالة من عدم الاستقرار النفسي، حيث يتم تجديد أوامر الاعتقال بشكل متكرر دون سقف زمني واضح، مما يحول السجن إلى وسيلة ابتزاز سياسي وضغط اجتماعي على العائلات لثنيها عن المشاركة في أي نشاط وطني.
ظروف الاعتقال وسياسة التنكيل الممنهج
تعاني الأسيرات الفلسطينيات من ظروف اعتقالية تتنافى مع أبسط قواعد "مانديلا" لمعاملة السجناء، حيث تتعرض غرفهن لاقتحامات مفاجئة وعنيفة من قبل وحدات القمع التابعة لإدارة السجون، يتخللها عمليات تفتيش مهينة ومصادرة للمقتنيات الشخصية.
وأشار البيان إلى أن سياسة سوء التغذية أصبحت منهجاً ثابتاً، حيث تُقدم وجبات الطعام بكميات ضئيلة وبجودة رديئة جداً، مما أدى إلى فقدان كبير في أوزان الأسيرات وانتشار الأمراض الجلدية والمعوية بينهن.
بالإضافة إلى ذلك، يمارس الاحتلال سياسة العزل الانفرادي وانتهاك الخصوصية عبر وضع كاميرات مراقبة داخل غرف الاحتجاز أو في ساحات "الفورة"، فضلاً عن حرمانهن من الزيارات العائلية والاتصال الهاتفي بآبائهن وأبنائهن، وهو ما يضاعف من حجم العذاب النفسي الذي تعيشه الأسيرة الفلسطينية يومياً خلف جدران السجن.
صمود فلسطيني في مواجهة الطغيان
في الختام، يبقى ملف الأسيرات الفلسطينيات جرحاً نازفاً في قلب القضية الفلسطينية، وشاهداً حياً على زيف الشعارات الدولية المطالبة بحماية حقوق المرأة. إن احتجاز نحو 9 آلاف و350 فلسطينياً، من بينهم 59 امرأة، في ظروف ترقى لدرجة جرائم الحرب، يستدعي تحركاً عاجلاً من المؤسسات الحقوقية العالمية والمنظمات الأممية لفرض رقابة حقيقية على السجون الإسرائيلية.
إن المرأة الفلسطينية، التي تنجب في القيد وتواجه السرطان بالصمود، تستحق أكثر من مجرد التضامن الكلامي؛ إنها تستحق الحرية والكرامة الإنسانية التي سلبها منها الاحتلال. ويبقى صوت مكتب إعلام الأسرى والمؤسسات الوطنية هو الناقوس الذي يدق للتذكير بأن معركة الأمعاء الخاوية والإرادة القوية لا تزال مستمرة حتى ينال كل أسير وأسيرة حريتهم المسلوبة في وطن مستقل وعزيز.







