أكدت القائم بأعمال السفير التونسي بالقاهرة، ضحى الشويخ، في خطاب حازم أمام الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين، أن انعقاد هذه الدورة غير العادية بمقر الأمانة العامة يأتي في توقيت مفصلي يتسم بتصعيد خطير وغير مسبوق من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وأوضحت الشويخ أن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية لم تتوقف رغم كافة التفاهمات، بل إنها تمثل انتهاكاً صارخاً وجسيماً لاتفاقات وقف إطلاق النار وللقانون الدولي الإنساني ولكل المواثيق الدولية ذات الصلة.
وأشارت الدبلوماسية التونسية إلى أن العالم اليوم يقف أمام اختبار حقيقي لمصداقية المنظومة الدولية، حيث تواصل سلطات الاحتلال ضرب القرارات الأممية عرض الحائط، مستغلة الصمت الدولي لمواصلة حربها الشاملة التي تستهدف الوجود الفلسطيني في أرضه التاريخية، مشددة على أن تونس لن تتوانى عن دعم التحرك العربي الموحد في كافة المحافل لردع هذه الانتهاكات.
سياسة الضم الزاحف واستهداف الحرم الإبراهيمي
وفي سياق استعراضها للواقع الميداني المتدهور، أوضحت ضحى الشويخ أن الجرائم المرتكبة لا تقتصر فقط على حرب الإبادة الجماعية الوحشية في قطاع غزة المحاصر، بل تمتد لتشمل تضييقاً خانقاً على دخول المساعدات الإنسانية الأساسية ومنع حركة الأفراد في ظروف لا إنسانية.
وحذرت الشويخ من خطورة القرارات الإسرائيلية الأخيرة التي تستهدف توسيع عمليات الضم الممنهج في الضفة الغربية وتكريس الاستيطان الاستعماري كأداة لتمزيق الوحدة الجغرافية للدولة الفلسطينية العتيدة.
وتوقفت القائم بالأعمال التونسية بصفة خاصة عند الانتهاكات الجسيمة التي تطال مدينة الخليل والحرم الإبراهيمي الشريف، معتبرة أن المساس بالمقدسات الإسلامية يهدف إلى فرض سياسة الأمر الواقع وشرعنة الاحتلال عبر الاستيلاء القسري على الأراضي، وهو ما يعد تقويضاً متعامداً للوضع القانوني والتاريخي القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة ويستوجب وقفة عربية وإسلامية حازمة لمنع تغيير هوية المعالم الدينية والتاريخية.
الإدانة التونسية وضرورة الملاحقة القضائية
شددت ضحى الشويخ على إدانة الجمهورية التونسية القاطعة لكافة الإجراءات الاستعمارية والأحادية التي يتخذها الاحتلال، مؤكدة أن هذه الخطوات تمثل انتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي وتهدف إلى وأد أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وفي رسالة قانونية هامة، أكدت الشويخ أن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، رغم أهميته لحقن الدماء، لا يجب أن يكون مبرراً لإعفاء المجتمع الدولي من مسؤولياته القانونية في ملاحقة قادة الاحتلال ومسؤوليه عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني الأعزل.
ودعت القائم بالأعمال التونسية القوى المحبة للسلام والمنظمات الحقوقية الدولية إلى التحرك الفوري لتفعيل آليات المحاسبة والمساءلة، مشيرة إلى أن غياب العقاب هو ما يدفع الاحتلال لتكرار جرائمه والاستمرار في سياسة التنكيل والتهجير القسري التي تتنافى مع أبسط مبادئ حقوق الإنسان المعتمدة عالمياً.
الثوابت الفلسطينية ودعوة لخطوات عملية
جددت ضحى الشويخ التأكيد على موقف تونس الثابت والمبدئي في دعم الحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة الكاملة على كل ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريف.
وأعلنت الرفض التونسي المطلق لأي محاولات مشبوهة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من أراضيهم أو توطينهم خارج وطنهم تحت أي ذريعة كانت، معتبرة أن حق العودة والبقاء هو جوهر القضية الفلسطينية.
واختتمت الشويخ كلمتها بالإعراب عن أمل تونس في أن يسفر اجتماع المندوبين الدائمين عن خطوات عملية ومواقف ملموسة تتجاوز بيانات التنديد، لتشمل دعماً حقيقياً ومساندة فاعلة للفلسطينيين في هذه المرحلة الحساسة من تاريخهم، بما يضمن صمودهم على أرضهم ويوفر لهم الحماية الدولية اللازمة لمواجهة غطرسة الاحتلال وآلته العسكرية التي لا تفرق بين مدني ومقدسات.
إن الموقف التونسي الذي عبرت عنه ضحى الشويخ في جامعة الدول العربية يعكس نبض الشارع العربي الرافض لسياسات التوسع والاستيطان. لقد وضعت تونس المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، مؤكدة أن الصمت هو مشاركة في الجريمة وإن حماية الحرم الإبراهيمي ومنع ضم الضفة الغربية ليسا مجرد مطالب فلسطينية، بل هما ضرورة لاستقرار الأمن والسلم الإقليمي والدولي.
ويبقى الرهان الآن على قدرة الدول العربية على ترجمة هذه الكلمات إلى ضغط دبلوماسي واقتصادي فاعل يجبر الاحتلال على التراجع، ويؤكد للعالم أجمع أن الحق الفلسطيني لا يسقط بالتقادم، وأن القدس ستبقى دائماً وأبداً بوصلة الأحرار وعاصمة الدولة الفلسطينية التي لن تقبل تونس، ولا العرب، عنها بديلاً مهما طال أمد الصراع وعظمت التضحيات.








