كشف الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور مأمون أبو عامر، أن ما تشهده الضفة الغربية المحتلة حالياً من عمليات ضم وتوسيع للمستوطنات يندرج ضمن إطار "الحرب الشاملة" التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على الوجود الفلسطيني في كل من الضفة وقطاع غزة.
وأوضح أبو عامر في حديث خاص لموقع "180 تحقيقات" أن الجانب الإسرائيلي يتبع استراتيجية مزدوجة تقوم على "الفصل والجمع"، حيث يسعى لفصل أهالي الضفة عن غزة لمنع نشوء حراك وطني موحد يعطي انطباعاً بوحدة الحالة الفلسطينية، بينما يستفيد في الوقت ذاته من "مسار الدمج" عبر استغلال حالة التوتر الشديد في غزة لتنفيذ سياسات الضم في الضفة بعيداً عن أنظار العالم.
وأكد أن إسرائيل تستغل انشغال المجتمع الدولي بالحرب لتثبيت حقائق جغرافية وديموغرافية جديدة، لم يشعر بها الكثيرون بعد، تهدف في جوهرها إلى فرض سيادة مطلقة وإنهاء أي أمل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومترابطة.
تحولات التهجير من الغطاء العسكري إلى السياسي
وأشار الدكتور مأمون أبو عامر إلى تطور خطير في سياسة التهجير القسري، مؤكداً أنها تمارس اليوم بشكل علني ومكثف في مناطق مثل مخيم "نور شمس" ومدينة "طولكرم"، وهو ما يعد سابقة في تاريخ الضفة الغربية.
وأوضح أن هذه السياسة التي كانت تتستر سابقاً خلف "الغطاء العسكري والأمني" بذريعة الملاحقات، أصبحت اليوم تأخذ غطاءً استيطانياً وسياسياً واضحاً ومباشراً. فالمستوطنون اليوم، بدعم من الحكومة، يقومون بتهجير السكان من منازلهم وإجبارهم على إخلائها والسيطرة على عقاراتهم وهدم منازلهم، بل ويمتد الأمر للسيطرة على ممتلكاتهم الخاصة من مزارع وحيوانات وضمها للمستوطنات. هذا التحول يعني أن الصراع في الضفة الغربية لم يعد أمنياً بحتاً، بل تحول إلى صراع وجودي سياسي يهدف إلى اقتلاع الإنسان الفلسطيني من أرضه بشتى الوسائل المتاحة.
تقويض السلطة الفلسطينية وتدويل نموذج الحصار
اعتبر الدكتور مأمون أبو عامر أن السياسة الإسرائيلية الراهنة تهدف بوضوح إلى "تصفية الكينونة الفلسطينية" من خلال إضعاف وإلغاء دور السلطة الفلسطينية تدريجياً، وتتجلى هذه السياسة في القرارات الأخيرة التي استهدفت مصادرة الأراضي وتجميد الأموال وزيادة الاعتقالات الإدارية دون محاكمات، وهي خطوات تتلاقى تماماً مع ما يحدث في غزة من محاولات محمومة لمنع السلطة من أن تكون طرفاً في إدارة القطاع بعد الحرب.
ويرى أبو عامر أن إسرائيل تسعى لخلق فراغ سياسي وإداري يسهل عليها فرض إدارتها المباشرة أو غير المباشرة، معتبراً أن الحصار المستمر على غزة وخرق حياة السكان ومنع المساعدات وتحجيم حركة المسافرين عبر المعابر، ليس إلا وسيلة لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة وتحويل المعابر من منافذ للشعب الفلسطيني إلى أدوات تخدم السياسة الأمنية للاحتلال وحده.
الموقف الدولي بين "التواطؤ" والعجز الأمريكي
وانتقد المحلل السياسي الفلسطيني بشدة الموقف الدولي، واصفاً إياه بأنه يقترب من حالة "التواطؤ"؛ فالاتحاد الأوروبي الذي يملك الإمكانيات والقدرات للضغط على الاحتلال، لا يجرؤ على اتخاذ أي خطوات فعلية، ويكتفي ببيانات الإدانة والكلمات التي لا توقف تغول الاستيطان.
وحتى الإجراءات البسيطة التي اتخذتها بعض الدول بمنع دخول بعض المستوطنين لأراضيها، وصفها أبو عامر بأنها غير كافية أمام حجم الجرائم المرتكبة، كما حمّل الإدارة الأمريكية مسؤولية كبرى، كونها الراعي الرسمي للاتفاقيات لكنها لا تفعل شيئاً للجم إسرائيل أو منعها من تنفيذ مخططاتها لتفريغ قطاع غزة والضفة من السكان.
وحذر أبو عامر من أن الهدف النهائي للاحتلال هو تحويل الأراضي الفلسطينية إلى مناطق غير قابلة للحياة، عبر تدمير البنية التحتية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يتطلب حراكاً فلسطينياً ودولياً يتجاوز لغة الشعارات إلى الفعل الحقيقي على الأرض.
مستقبل القضية في ظل الصمت العالمي
ويرسم الدكتور مأمون أبو عامر صورة قاتمة لمستقبل الأراضي الفلسطينية إذا ما استمرت السياسة الإسرائيلية في استغلال ظروف الحرب لتمرير مخططات "الضم والتصفية" وإن ما يحدث في طولكرم ونور شمس ليس إلا نموذجاً مصغراً لما يُراد تعميمه على كامل الضفة الغربية، بالتوازي مع سياسة الخنق التجويعي في غزة وإن الصمود الفلسطيني يواجه اليوم تحدياً غير مسبوق يتطلب وحدة في الموقف والهدف، وإدراكاً عميقاً بأن الاحتلال يسعى لإلغاء الهوية السياسية الفلسطينية بالكامل.










