مع دخول عام 2026، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد كرس رؤية جديدة تعتمد على "إنهاء الحروب التي لا تنتهي"، وهي العقيدة التي كانت محركاً أساسياً لحملته الانتخابية. ترمب لا ينظر إلى الحرب من منظور أخلاقي فحسب، بل من منظور "ربح وخسارة" اقتصادي وجيوسياسي.
فبعد توقيع اتفاقيات وقف إطلاق النار في غزة ولبنان أواخر عام 2025، يسعى ترمب جاهداً لتحويل هذه الهدنات الهشة إلى استقرار مستدام يسمح لواشنطن ببدء عملية "الاستدارة" نحو المحيط الهادئ لمواجهة الصين.
الاقتناع الأمريكي الحالي لا يعني التخلي عن القوة، بل استبدال "الحرب المفتوحة" بـ "الردع الانتقائي" والاستثمار الاقتصادي كأدوات للسيطرة.
ترامب يرى أن استمرار النزاعات يستنزف الموارد الأمريكية ويقوض مشروع "الاتفاقيات الإبراهيمية" الموسع، ولذلك يضغط بكل ثقله لفرض مسارات دبلوماسية، حتى لو تطلب الأمر ممارسة ضغوط غير مسبوقة على أقرب حلفائه في تل أبيب.
التحديات البنيوية وصعوبة الانتقال من التهدئة إلى السلام
على الرغم من هذا التوجه، تواجه إدارة ترامب في فبراير 2026 تحديات ميدانية تجعل من "عدم جدوى الحرب" فرضية صعبة التطبيق الكامل. فإسرائيل تواصل خروقاتها لاتفاقات التهدئة بحجة "الدفاع الاستباقي"، بينما ترفض فصائل المقاومة في غزة شروط نزع السلاح الكامل التي يطالب بها ترمب كجزء من المرحلة الثانية لاتفاق غزة.
هذا التناقض يضع واشنطن في موقف حرج؛ فهي من جهة تريد الظهور بمظهر "صانع السلام العالمي"، ومن جهة أخرى تجد نفسها مضطرة لإبقاء حضورها العسكري “مثل إرسال حاملات طائرات إضافية” لضمان عدم انهيار المنظومة الإقليمية.
ترامب يدرك أن الحرب قد تفرض نفسها إذا فشلت المفاوضات مع إيران حول ملفها الصاروخي، لكنه يحاول تأجيل هذا الصدام لأطول فترة ممكنة عبر تقديم "جزرات" اقتصادية ووعود بإعمار المنطقة تحت إشراف دولي.
ماذا يريد نتنياهو من إدارة ترمب؟ صراع الأولويات الأمنية
تأتي زيارة بنيامين نتنياهو لواشنطن في فبراير 2026 مدفوعة بـ "قلق استراتيجي" من التقارب الأمريكي-الإيراني المحتمل، فنتنياهو يريد من ترامب ضمانات واضحة بأن أي اتفاق مع طهران لن يقتصر على الملف النووي، بل يجب أن يشمل تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية ووقف دعم الوكلاء الإقليميين.
كما يسعى نتنياهو للحصول على "ضوء أخضر" أو دعم لوجستي لتنفيذ ضربات جراحية ضد منشآت إيرانية إذا ما تجاوزت طهران الخطوط الحمراء الإسرائيلية.
وفي ملف غزة، يطالب نتنياهو واشنطن بتبني موقف متشدد يقضي بـ "نزع السلاح الكامل" للقطاع كشرط مسبق لأي عمليات إعمار، وهو ما يتناقض مع رغبة ترامب في البدء الفوري بمشروعات "غزة الجديدة" لتحقيق إنجاز سياسي سريع.
استغلال العلاقة الشخصية لانتزاع تنازلات سياسية
يعول نتنياهو على علاقته الشخصية المعقدة مع ترامب لانتزاع مكاسب تتعلق بتقليل اعتماد إسرائيل على المساعدات العسكرية الأمريكية تدريجياً مقابل الحصول على استقلالية أكبر في اتخاذ القرار العسكري.
نتنياهو يريد من واشنطن أن تظل "الظهير الاستراتيجي" الذي يوفر الحماية السياسية في المحافل الدولية، بينما يمنح الجيش الإسرائيلي حرية التحرك في الضفة الغربية وجنوب لبنان بدعوى حماية السيادة إلا أن نتنياهو يصطدم برؤية ترامب التي تفضل "المؤسسية الدولية" عبر إنشاء "مجلس سلام" لغزة يضم قوى إقليمية مثل مصر وتركيا وقطر، وهو ما يراه نتنياهو تهديداً لسيطرة إسرائيل الأمنية المنفردة على الأراضي الفلسطينية.
المفاوضات كأداة احتواء أم مقدمة لتسوية شاملة؟
تمثل السياسة الخارجية الأمريكية في 2026 مزيجاً من "الاحتواء الذكي" والرغبة في "التسوية الشاملة". واشنطن تستخدم المفاوضات مع إيران “التي جرت مؤخراً في عمان” كأداة احتواء لمنع انفجار حرب إقليمية شاملة قد تجر الولايات المتحدة إلى مستنقع جديد لكن في الوقت نفسه، تطمح إدارة ترامب إلى أن تكون هذه المفاوضات مقدمة لـ "صفقة القرن الكبرى" التي لا تحل القضية الفلسطينية فحسب، بل تعيد رسم خارطة التحالفات في الشرق الأوسط.
ترامب يريد الوصول إلى حالة من "التوازن الإقليمي" حيث تتحمل الدول الحليفة مسؤولية دفاعها الذاتي، بينما تكتفي واشنطن بدور "المراقب والضامن" للمصالح الاقتصادية وسلاسل الإمداد.
مستقبل الترتيبات الإقليمية تحت مظلة 2026
إن استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 تؤكد بوضوح أن الشرق الأوسط "ساحة ليست ذات أولوية قصوى" مقارنة بالمحيط الهادئ. ولتحقيق هذا الانسحاب الآمن، تحتاج واشنطن إلى تسوية شاملة تضمن أمن إسرائيل دون الحاجة لوجود عسكري أمريكي دائم وضخم لذا، فإن المفاوضات الحالية ليست مجرد وسيلة لشراء الوقت، بل هي محاولة لبناء "نظام إقليمي جديد" يعتمد على الاندماج الاقتصادي.
إذا نجح ترامب في إقناع إيران بتقليص طموحاتها الصاروخية وإقناع إسرائيل بقبول صيغة معينة للإعمار في غزة، فإننا قد نكون أمام تسوية تاريخية أما إذا فشل في جسر الهوة بين مطالب نتنياهو المتشددة ومرونة طهران التكتيكية، فإن المفاوضات ستظل مجرد "أداة احتواء" مؤقتة تسبق جولة جديدة من المواجهات العنيفة.
يقف الشرق الأوسط في فبراير 2026 عند "لحظة مفصلية" تتأرجح بين الهدوء الهش والانفجار الوشيك وإن اقتناع ترمب بعدم جدوى الحرب هو اقتناع براغماتي يهدف لحماية المصالح الأمريكية أولاً، لكنه يصطدم بواقع أمني معقد يقوده نتنياهو الذي يرى في استمرار الضغط العسكري ضرورة لوجوده السياسي والأمني.
ستبقى واشنطن تمارس لعبة "التوازن الصعب"؛ تستخدم المفاوضات لتهدئة إيران، وتستخدم الحوافز للضغط على إسرائيل، في محاولة لرسم صورة "الرئيس صانع السلام".
إن الأيام القادمة واجتماعات "مجلس السلام" ستحدد ما إذا كانت إدارة ترمب ستمتلك الجرأة لفرض تسوية شاملة تنهي عقوداً من الصراع، أم أن المنطقة ستبقى رهينة لسياسات الاحتواء التي لا تعالج جذور الأزمات بل تؤجل انفجارها فقط.










