جاء حكم المحكمة العليا في بريطانيا، الجمعة، ليضع الضوء على الصدام القانوني والسياسي بين الحكومة البريطانية وحركة فلسطين أكشن، المنظمة الناشطة في مجال الاحتجاج المدني المباشر ضد سياسات إسرائيل في قطاع غزة، تأسست الحركة عام 2020، وسرعان ما اكتسبت شهرة واسعة بسبب استهدافها للشركات الدفاعية الإسرائيلية والمتواطئة معها، بما في ذلك مواقع في المملكة المتحدة، في تحركات تهدف إلى فضح تورط هذه الشركات في النزاع الفلسطيني.
وبعد تصاعد نشاط الحركة، صرحت الحكومة البريطانية، في يوليو 2025، بحظر المنظمة وتصنيفها كـ"جماعة إرهابية"، بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 2000، معتبرة أن الانتماء أو الدعم للمنظمة جريمة تصل عقوبتها إلى 14 عامًا.
حكم المحكمة العليا: انتصار للحقوق والحريات
رأت المحكمة العليا البريطانية أن قرار حظر "فلسطين أكشن" كان "غير قانوني"، مؤكدًة أنه تضمن انتهاكًا للحق في حرية التعبير وحق التجمع، وهو ما دفع القاضية فيكتوريا شارب لتوضيح أن الحظر سيظل ساريًا مؤقتًا لحين عقد جلسة الاستئناف الحكومية في 20 فبراير.
ويُعد هذا الحكم انعكاسًا للجهود القانونية التي قادتها هدى عموري، المؤسسة المشاركة في فلسطين أكشن، والتي طعنت في قرار وزيرة الداخلية السابقة إيفيت كوبر، مؤكدة أن الحركة كانت تمارس "تقليدًا مشرفًا من العمل المباشر والعصيان المدني قبل حظرها".
وقالت فاطمة راجواني، أصغر أعضاء الحركة، إن الحكم يمثل "انتصارًا لقضيتهم ويعكس رغبة الجمهور البريطاني في عدم تحويل المواطنين إلى كبش فداء لأهداف سياسية"، مضيفة أن الأحكام أكدت حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة وتقرير المصير.
أنشطة فلسطين أكشن وتاريخ الاحتجاج المباشر
لم تقتصر أنشطة الحركة على الاحتجاج السلمي، بل شملت اقتحام مواقع عسكرية وشركات دفاعية إسرائيلية، من أبرزها:
اقتحام مصنع شركة إلبيت سيستمز في فيلتون، قرب بريستول، في أغسطس 2024، ما أدى إلى اعتقال 6 ناشطين، تمت تبرئتهم لاحقًا.
اقتحام قاعدة "بريز نورتون" الجوية الملكية، أكبر قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، وتخريب طائرات عسكرية بالطلاء الأحمر، ما ألحقت أضرارًا تقدر بـ7 ملايين جنيه إسترليني.
وتؤكد الحركة أن هذه التحركات هدفها فضح تورط الشركات البريطانية والإسرائيلية في النزاع الفلسطيني، وليست أعمالًا إرهابية بالمعنى القانوني.
ردود الفعل الحكومية والسياسية
على الرغم من الحكم، أعلنت وزيرة الداخلية الحالية شبانا محمود عن "خيبة أملها" من القرار، مؤكدة عزمها الطعن أمام محكمة الاستئناف البريطانية. واعتبرت الحكومة أن الحظر كان ضروريًا لوقف "نمط التصعيد" الذي تنتهجه الحركة، رغم أن محامي وزارة الداخلية اعترفوا بأن الحظر لم يمنع دعم المواطنين للفلسطينيين أو تنظيم احتجاجات سلمية.
من جانب آخر، اعتبر النقاد أن تصنيف الحركة كمنظمة إرهابية قد يُشكل سابقة خطيرة، حيث يهدد الحق في الاحتجاج المدني ويقوض مبادئ الديمقراطية البريطانية في التعبير عن الرأي والنشاط السياسي، خصوصًا وأن معظم المشاركين في الاحتجاجات كانوا مدنيين، من بينهم كهنة ومعلمون وضباط متقاعدون وقاضٍ سابق.
الأبعاد القانونية والسياسية للحكم
يشير حكم المحكمة العليا إلى عدة نقاط رئيسية:
تأكيد الحقوق الأساسية: الحكم يعزز حماية حرية التعبير وحرية التجمع أمام أي استخدام مفرط لقوانين مكافحة الإرهاب.
تقييد استخدام السلطة التنفيذية: يوضح أن قرارات الحكومة بحظر المنظمات يجب أن تخضع للمراجعة القضائية لضمان عدم استغلالها سياسيًا.
إعادة تقييم مفهوم الإرهاب: الحكم يعيد تعريف مفهوم الإرهاب، مميزًا بين النشاط المدني المباشر الذي يهدف إلى الضغط السياسي وبين الأعمال العنيفة التي تهدد حياة الآخرين.
انعكاسات الحكم على حركة فلسطين أكشن
من المتوقع أن يمنح الحكم حركة فلسطين أكشن زخماً جديداً لمواصلة نشاطها القانوني والسياسي، مع تعزيز قدرتها على توسيع قاعدة دعمها بين المواطنين البريطانيين والدوليين المهتمين بالقضية الفلسطينية. كما يشير الحكم إلى أن الحكومة ستضطر إلى مراجعة سياساتها تجاه المنظمات الناشطة سلمياً، لتجنب أي انتهاك للحقوق الأساسية ورفع دعاوى قضائية مستقبلية.
نقطة فاصلة في تاريخ الحركة
يمثل حكم المحكمة العليا البريطانية نقطة فاصلة في تاريخ حركة فلسطين أكشن، إذ يؤكد أن النشاط المدني المباشر، حتى لو كان يتضمن اعتراضات على ممتلكات الشركات المرتبطة بالنزاع، لا يمكن أن يُصنف إرهابياً بشكل تعسفي. ويضع هذا الحكم الحكومة أمام مسؤولية الالتزام بالمعايير القانونية الدولية والديمقراطية، مع الحفاظ على الحق في التعبير والمطالبة بالعدالة للفلسطينيين، في وقت تتواصل فيه الحملات ضد السياسات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.









