تعكس زيارة نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى أرمينيا وأذربيجان بين 9 و11 فبراير 2026 حراكاً دبلوماسياً لافتاً في جنوب القوقاز، في مرحلة مبكرة من الولاية الثانية لإدارة ترامب. فالزيارة لم تقتصر على تعزيز العلاقات الثنائية، بل حملت أبعاداً جيواستراتيجية وجيو-اقتصادية أوسع، ترتبط بإعادة تموضع واشنطن في فضاء أوراسيا.
اللافت أن موسكو لم تُظهر رد فعل علنياً حاداً إزاء هذه التحركات، ما يوحي بأن المقاربة الأمريكية لا تستهدف مباشرة تقويض الوجود الروسي القائم، بقدر ما تسعى إلى ترسيخ موطئ قدم مستدام ضمن معادلة إقليمية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها مصالح روسيا والصين وإيران.
استراتيجية أوراسية أوسع
تندرج الزيارة ضمن رؤية أمريكية أوسع تقوم على موازنة شبكات الربط التي طورتها الصين عبر مبادرة الحزام والطريق، من خلال دعم ممرات بديلة تعزز أمن الطاقة وسلاسل توريد المعادن الحيوية، وتفتح قنوات جديدة للتجارة العابرة للقارات.
وفي هذا السياق، فإن إدراج أرمينيا وأذربيجان ضمن جولة واحدة لا يُقرأ باعتباره سياسة توازن تقليدية بين خصمين إقليميين، بل محاولة لبناء علاقات متزامنة وبنّاءة مع الفاعلين الرئيسيين في جنوب القوقاز، بما يضمن لواشنطن موقعاً طويل الأمد في بنية الربط الإقليمي.
إطار TRIPP: ممر متعدد الوسائط
شهد يناير 2026 نقل هذا التوجه إلى مستوى عملي عبر إطلاق إطار تنفيذ “مسار ترامب الدولي للسلام والازدهار” (TRIPP)، الذي يهدف إلى إنشاء اتصال ترانزيت متكامل ومتعدد الوسائط بين أذربيجان وجمهورية ناخيتشيفان ذاتية الحكم عبر الأراضي الأرمينية، يشمل السكك الحديدية والطرق والطاقة والبنية الرقمية.
الإطار لا يفرض التزامات قانونية ملزمة، بل يحدد مجالات التعاون ونوايا الأطراف. ومن المقرر تأسيس شركة تطوير TRIPP بهيكل ملكية يمنح 74 بالمئة للطرف الأمريكي و26 بالمئة لأرمينيا في المرحلة الأولى، على أن ترتفع حصة يريفان لاحقاً. وتتولى الشركة تطوير وتشغيل وجباية عائدات البنية التحتية ضمن الممرات المحددة، مع احتفاظ أرمينيا بسيادتها الكاملة على أراضيها وصلاحياتها التشريعية والأمنية والجمركية.
فانس وباشينيان: شراكة تتسع
خلال لقائه رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في يريفان، جرى التأكيد على تقدم ملحوظ في مسار الشراكة الاستراتيجية، بما في ذلك استكمال المفاوضات بشأن اتفاق الاستخدام السلمي للطاقة النووية. ووصفت القيادة الأرمينية الزيارة بأنها “تاريخية ورمزية”، مشيرة إلى أن العلاقات مع واشنطن بلغت مستوى غير مسبوق.
تركزت المباحثات على تسريع تنفيذ TRIPP، والتعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وسلاسل توريد المعادن الحيوية، إضافة إلى صفقات في مجال الطائرات المسيّرة وتقنيات المراقبة. ويعكس هذا المسار توجهاً أرمينياً واضحاً نحو الغرب، تعتبره يريفان فرصة استثمار وتنمية طويلة الأمد، في حين تنظر إليه واشنطن أيضاً من زاوية فتح أسواق جديدة لصادراتها وشركاتها.
فانس وعلييف: اقتصاد بديل للصراع
في باكو، التقى فانس بالرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، ووقّع الجانبان “شرط الشراكة الاستراتيجية” بين حكومتي البلدين. ركز فانس على البعد الاقتصادي، معتبراً أن تعزيز التجارة والاستثمار يمكن أن يحل محل منطق الصراع، ويساهم في ترسيخ السلام في جنوب القوقاز.
كما أُعلن عن دعم أمريكي لتعزيز أمن المياه الإقليمية الأذربيجانية، في مؤشر إلى أن التعاون لا يقتصر على الاقتصاد، بل يمتد إلى جوانب أمنية محسوبة. وفي تقييمه لمسار السلام، شدد فانس على أن تعميق الروابط الاقتصادية واستثمار الموارد الطبيعية والمعادن الحيوية يمثلان ركيزة لاستدامة أي تسوية تاريخية.
موازنة الصين وروسيا وإيران
يحمل TRIPP بعداً استراتيجياً يتجاوز الإطار الثنائي، إذ يهدف إلى إنشاء ممر بديل يربط آسيا الوسطى بأوروبا عبر جنوب القوقاز، بما يقلص الاعتماد على المسارات التي تمر عبر روسيا أو إيران، ويحد من هيمنة الشبكات اللوجستية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق الصينية.
هذا التوجه يمنح الولايات المتحدة منفذاً مباشراً إلى سلاسل الإمداد العالمية في فضاء أوراسيا، لكنه في الوقت ذاته قد يؤثر بشكل غير مباشر في توازنات النفوذ الإقليمي، خصوصاً في ظل حساسية موسكو وطهران وبكين تجاه أي إعادة رسم لخرائط الممرات.
نافذة لإعادة تشكيل الإقليم
يفتح المشروع أيضاً نافذة أمام تفعيل ممر زنجزور وربط تركيا مباشرة بجمهوريات آسيا الوسطى الناطقة بالتركية، ما قد يعيد تشكيل تدفقات الطاقة والتجارة في نطاق أوسع من القوقاز إلى عمق أوراسيا.
يبقى نجاح هذه المبادرات رهناً بمدى احترام حساسيات السيادة والأمن لدى الأطراف المعنية، وبقدرتها على تحويل الترابط الاقتصادي إلى رافعة استقرار مستدام. وإذا ما كُتب لها الاستمرار، فقد تشكل نموذجاً لبناء السلام على أسس اقتصادية، في منطقة طالما طغت عليها اعتبارات الصراع الجيوسياسي.










