تتحول الحرب في السودان، مع اقتراب عامها الثالث، إلى نموذج مكتمل لحرب استنزاف طويلة لا تهدف فقط إلى الحسم العسكري، بل إلى إنهاك المجتمع وتفكيك بنيته البشرية والاقتصادية تدريجياً. فبحسب رئيسة مكتب “أطباء السودان من أجل حقوق الإنسان”، نازك أبو زيد، تجاوز عدد النازحين من جنوب كردفان وحدها 700 ألف شخص، فيما تحولت مدينة الأبيض إلى ملاذ مكتظ استقبل أكثر من مليون نازح، في مؤشر على حجم الانهيار السكاني الذي يضرب مناطق النزاع.
هذا النزوح الجماعي لم يعد مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل أصبح جزءاً من ديناميكيتها، حيث يؤدي تفريغ المناطق من سكانها إلى إعادة تشكيل السيطرة على الأرض والموارد. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى نزوح أكثر من 115 ألف شخص من كردفان خلال أربعة أشهر فقط، بين أكتوبر وبداية فبراير، ما يعكس تسارع وتيرة التهجير مع انتقال المعارك إلى مناطق جديدة ذات أهمية استراتيجية.
مجاعة كسلاح حرب
في قلب هذا النزوح، تتكشف مأساة إنسانية ذات أبعاد أمنية خطيرة، حيث أكدت أبو زيد أن أكثر من ثلثي الأطفال في مناطق النزاع يعانون من سوء تغذية حاد، مع ارتفاع ملحوظ في وفيات الأطفال والنساء الحوامل. هذا الواقع يكشف أن الحرب تجاوزت المواجهة العسكرية المباشرة، لتتحول إلى صراع على البقاء، يستخدم فيه الجوع كأداة استنزاف طويلة الأمد.
اتساع رقعة المجاعة ليس مجرد نتيجة للفوضى، بل يرتبط مباشرة بانهيار الإنتاج الزراعي في مناطق مثل كردفان، التي تُعد من أغنى أقاليم السودان بالموارد الزراعية والنفطية. ومع تحول هذه المناطق إلى ساحات قتال، تتوقف دورة الإنتاج، ويُحرم ملايين السودانيين من مصادر الغذاء، ما يخلق بيئة مثالية لاستمرار النزاع، حيث يصبح السكان أكثر ضعفاً وأقل قدرة على المقاومة أو الاستقرار.
دارفور نموذج الإبادة
ما جرى في مدينة الفاشر في أكتوبر 2025 يمثل ذروة هذا التحول نحو حرب استنزاف قائمة على الإرهاب المنهجي للسكان المدنيين. فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل أكثر من 6,000 شخص خلال ثلاثة أيام فقط، بينهم 4,400 داخل المدينة و1,600 أثناء محاولتهم الفرار، في واحدة من أكثر المجازر دموية في تاريخ السودان الحديث.
التقرير الأممي كشف أن الهجوم جاء بعد حصار استمر 18 شهراً، ما يؤكد أن الهدف لم يكن السيطرة العسكرية السريعة، بل إنهاك المدينة وتجويعها قبل اقتحامها. كما وثق عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية وعنف جنسي وتعذيب واختفاء قسري وتجنيد أطفال، في نمط يشير إلى استراتيجية قائمة على تدمير المجتمع نفسه، وليس فقط هزيمة خصم عسكري.
تدمير البنية الطبية
امتداد هذه الحرب إلى المنشآت الصحية يعكس بوضوح طبيعتها كحرب استنزاف شاملة. ففي 4 فبراير، أدى قصف بطائرة مسيّرة استهدف مستشفى يابوس في النيل الأزرق إلى مقتل أربعة مدنيين بينهم طفلان، وتدمير المستشفى بالكامل، ما حرم المنطقة من أي خدمات طبية.
هذا الهجوم لم يقتصر على المنشأة الصحية، بل شمل الأحياء السكنية، حيث دُمّر 213 منزلاً ونزحت 187 أسرة باتت تعيش في العراء. استهداف المستشفيات لا يهدف فقط إلى إيقاع الضحايا، بل إلى تدمير القدرة المجتمعية على التعافي، ما يضمن استمرار حالة الضعف والانهيار لفترة طويلة.
حرب على الموارد
الأهمية الاستراتيجية لكردفان تفسر جزئياً شراسة المعارك فيها، فهي تمثل حلقة وصل جغرافية بين دارفور والعاصمة الخرطوم وشرق السودان، إضافة إلى كونها غنية بالنفط والأراضي الزراعية. السيطرة على هذه المنطقة لا تعني فقط مكسباً عسكرياً، بل تمنح القدرة على التحكم في الموارد الحيوية للدولة.
هذا الصراع على الموارد يعزز طبيعة الحرب كحرب استنزاف، حيث يسعى كل طرف إلى حرمان الآخر من مصادر القوة الاقتصادية، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير الاقتصاد الوطني بأكمله. ومع استمرار هذا النهج، تتحول الحرب إلى دائرة مغلقة، يغذي فيها الدمار العسكري الانهيار الاقتصادي، الذي بدوره يطيل أمد الحرب.
مجتمع ينهار ببطء
حادثة غرق المركب النهري في شندي، التي أودت بحياة أكثر من 27 شخصاً، تعكس جانباً آخر من الاستنزاف، حيث لم يعد الموت مرتبطاً فقط بالرصاص والقصف، بل أيضاً بانهيار مؤسسات الدولة. غياب معدات الإنقاذ وتأخر فرق الطوارئ يكشف أن البنية التحتية نفسها أصبحت ضحية للحرب.
هذا الانهيار المؤسسي هو أحد أخطر نتائج حروب الاستنزاف، حيث تفقد الدولة قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، ما يخلق فراغاً أمنياً وإنسانياً واسعاً. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الفراغ إلى بيئة دائمة للفوضى، تجعل إنهاء الحرب أكثر صعوبة حتى لو توقفت المعارك.
السودان واستنزاف بلا أفق
كل المؤشرات تؤكد أن السودان دخل مرحلة حرب طويلة الأمد، حيث لم يعد أي طرف قادراً على تحقيق نصر حاسم، لكنه في الوقت نفسه قادر على منع الطرف الآخر من الانتصار. هذه المعادلة تخلق حرباً مفتوحة، يدفع المدنيون ثمنها الأكبر، عبر النزوح والجوع والقتل وانهيار الدولة.
في هذا السياق، يصبح الهدف الفعلي للحرب هو إعادة تشكيل السودان نفسه، ديموغرافياً واقتصادياً وسياسياً، عبر عملية استنزاف تدريجية. ومع استمرار هذا المسار، يواجه السودان خطر التحول من دولة تعاني حرباً أهلية إلى ساحة دائمة للصراع، حيث يصبح السلام أكثر كلفة وتعقيداً من الحرب نفسها.







