أكد وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، خلال مشاركته الرفيعة في أعمال مؤتمر ميونخ للأمن، أن الدولة السورية تبنت في المرحلة الراهنة "مساراً واقعياً" مدروساً في تعاملها مع الملفات الشائكة، وعلى رأسها العلاقة مع إسرائيل.
وأوضح الشيباني أن هذه المقاربة تهدف في المقام الأول إلى تجنب الانزلاق في صراعات جانبية قد تعيق مسيرة البناء، والتركيز بدلاً من ذلك على أولوية إعادة إعمار البلاد ولمّ شمل السوريين المشتتين بين الداخل والخارج، وصولاً إلى تحقيق التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة. وأشار الوزير إلى أن هذا التوجه السوري الجديد القائم على العقلانية السياسية "لم يرق" لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي تسعى جاهدة لتوسيع دوائر التوتر في المنطقة لعرقلة استقرار سوريا واستعادة دورها الريادي.
كواليس المفاوضات والخطوط الحمراء السورية
وفيما يخص الحراك الدبلوماسي المباشر، كشف الشيباني عن وجود مفاوضات جارية مع الجانب الإسرائيلي بوساطة الولايات المتحدة الأمريكية، مشدداً على أن هذه اللقاءات لم ولن تصل إلى مرحلة فرض القبول بالأمر الواقع الذي حاولت سلطات الاحتلال تكريسه في الجنوب السوري.
وأوضح الوزير أن دمشق تضع شروطاً واضحة لنجاح هذه المفاوضات، تتمثل في ضرورة انسحاب جيش الاحتلال من كافة المناطق التي توغل فيها بعد تاريخ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، ووقف التدخل السافر في الشؤون الداخلية السورية، فضلاً عن الالتزام التام بعدم انتهاك الأجواء والسيادة الوطنية، معتبراً أن استعادة الأراضي والسيادة هي ثوابت غير قابلة للتفاوض في رؤية سوريا لمستقبل المنطقة.
إعادة الإعمار وصياغة الهوية السورية الجديدة
انتقل الشيباني للحديث عن الملف الإنساني والاقتصادي، حيث شدد على أن رفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا يمثل "المفتاح الأساسي" والوحيد الذي سيفتح أبواب إعادة الإعمار الشاملة.
ولفت إلى أن استمرار وجود مخيمات النزوح واللاجئين يمثل جرحاً نازفاً تسعى الحكومة لختمه عبر "إعادة تعريف سوريا الجديدة" كدولة منفتحة تسعى للتفاعل الإيجابي مع المجتمع الدولي.
وأشار إلى أن الحكومة السورية عملت بجد منذ عامها الأول على ترميم الثقة بين السلطة والشعب، ومواجهة إرث "النظام البائد" الذي كرس الانقسام المجتمعي على مدار 14 عاماً، مؤكداً أن مرحلة ما بعد انتصار الثورة قد أرست مبدأً لا رجعة عنه وهو حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة الشرعية فقط.
تحديات السيادة ومواجهة الاستنزاف العسكري
لم يغفل الوزير السوري حجم المعاناة التي تعيشها البلاد جراء الانتهاكات المستمرة، حيث كشف أن سوريا تعرضت لأكثر من ألف غارة جوية إسرائيلية، بالإضافة إلى توغلات برية تجاوزت 500 عملية، شملت احتلال أراضٍ جديدة وتنفيذ اعتقالات تعسفية.
ورغم هذه التحديات الجسيمة، أكد الشيباني أن العام المنصرم شهد إنجازات مهمة في إعادة بناء بنية الدولة، رغم اعترافه بأن المجتمع لا يزال ممزقاً والبنية التحتية منهكة بفعل سنوات الحرب الطويلة وسوء الإدارة التي اتسم بها العهد السابق. وشدد على أن السوريين، رغم الإنهاك، يمتلكون إرادة صلبة وطموحاً كبيراً يمثل الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها الحكومة في خططها المستقبلية.
الوحدة الوطنية والتنوع كمصدر للقوة
ركز الشيباني على البعد الداخلي، مؤكداً أن الدولة السورية لم تتنصل يوماً من مسؤولياتها تجاه القضايا الوطنية في مختلف المحافظات، بما في ذلك محافظة السويداء، معتبراً أن المصلحة العليا للشعب هي المرجعية التي تحكم كافة التحركات الرسمية.
وأوضح أن التنوع الثقافي والاجتماعي في سوريا يجب أن يكون "مصدر قوة لا ضعف"، داعياً إلى ضرورة التوافق على مصالح وطنية جامعة تحت سقف القانون، وفي مقدمتها وحدة وسلامة الأراضي السورية.
واعتبر أن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب ترسيخ ثقافة سياسية جامعة تعلي من شأن المواطنة وتنبذ التفرقة، لضمان بناء سوريا التي يطمح إليها السوريون جميعاً.










