قالت مونيكا وليم الكاتبة والباحثة في العلاقات الدولية، إنه يتزامن الحديث عن جولة مفاوضات جديدة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف الثلاثاء القادم مع تصعيد داخلي لافت داخل طهران وخطاب أمريكي مرتفع السقف، في مشهد يعكس طبيعة العلاقة المركبة بين “التفاوض” و”التصعيد” في إدارة الصراع بين الطرفين.
وأضافت وليم، أنه بينما تؤكد واشنطن رغبتها في التوصل إلى اتفاق يمنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، تلوّح في الوقت ذاته بخيارات أكثر صرامة، وتدفع بتعزيزات عسكرية إلى الخليج، وهو ما يشير إلى أن المفاوضات لا تُدار في بيئة تهدئة، بل في ظل ضغط محسوب ومقصود.
وأوضحت وليم، أنه عند النظر إلى الداخل الإيراني بدوره يشهد تحولات عميقة تعكس هشاشة التوازن التقليدي داخل النظام، فحملة الاعتقالات التي طالت شخصيات إصلاحية بارزة، من بينها قيادات في الجبهة الداعمة للرئيس مسعود بيزشكيان مثل آذر منصوري، إضافة إلى اعتقال شخصيات إصلاحية دعت إلى مراجعة موقع المرشد علي خامنئي، تكشف أن المؤسسة الحاكمة لم تعد ترى في التيار الإصلاحي صمام أمان لامتصاص الغضب الشعبي، بل باتت تتعامل معه كعبء محتمل في لحظة حساسة.
وتابعت أن هذا التحول يعني عمليا أن نموذج “التوازن بين المتشددين والإصلاحيين” الذي اعتمد عليه النظام لسنوات يتآكل، وأن النظام يتجه نحو مزيد من الانغلاق الأيديولوجي لتأمين تماسكه الداخلي قبل أي استحقاق تفاوضي خارجي.
في المقابل، تأتي تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول أن “تغيير النظام قد يكون أفضل ما يمكن أن يحدث” بالتوازي مع تأكيده تفضيل الحل الدبلوماسي، لتعكس استراتيجية ضغط تفاوضي أكثر منها إعلاناً لسياسة فعلية. فواشنطن تدرك أن النظام الإيراني يمر بمرحلة حساسة داخلياً، وتسعى إلى استثمار هذا الوضع لرفع سقف مطالبها على طاولة التفاوض. هنا يصبح التصعيد أداة لتحسين شروط التفاوض، لا بديلاً عنه؛ إذ يتم توظيف التهديد كوسيلة لإجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية، خاصة في الملف النووي وربما ما يتصل به من ترتيبات رقابية أكثر تشدداً.
أما على مستوى التنسيق الأمريكي الإسرائيلي، فإن لقاء ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كشف عن تباين في مقاربة الملف الإيراني. إسرائيل تسعى إلى صفقة أوسع تشمل البرنامج الصاروخي الإيراني ودور الوكلاء الإقليميين، بينما يبدو أن واشنطن قد تقبل مرحلياً باتفاق يركز على الملف النووي كأولوية عاجلة. هذا التباين لا يعني بالضرورة وجود خلاف استراتيجي، بل اختلافاً في ترتيب الأولويات؛ فتل أبيب تنظر إلى التهديد الإيراني من زاوية أمنية مباشرة ووجودية، بينما تضع واشنطن الملف ضمن سياق أوسع يتصل بحسابات الانتشار العسكري والتنافس مع قوى كبرى أخرى.
من ثم، فإن العلاقة بين التفاوض والتصعيد في الحالة الأمريكية–الإيرانية ليست علاقة تناقض، بل علاقة تكامل وظيفي.
كل طرف يرفع مستوى التوتر لتحسين موقعه التفاوضي، مع الحرص في الوقت ذاته على إبقاء التصعيد دون عتبة الحرب الشاملة. إيران تستخدم خطاب الصمود والقدرة على التحمل لتفادي تقديم تنازلات كبرى، فيما توظف الولايات المتحدة العقوبات والتحشيد العسكري والتصريحات الحادة لخلق بيئة ضغط قصوى قبل أي اتفاق محتمل.
في ضوء ذلك، تبدو جولة المفاوضات المرتقبة محاولة لإدارة التصعيد أكثر من كونها خطوة نحو تسوية نهائية. فإذا أفضت إلى اتفاق محدود يركز على النووي، فسيكون أقرب إلى “هدنة تقنية” تُبقي الملفات الأخرى مفتوحة، بما يعني استمرار دورة التفاوض المصحوب بالتصعيد. أما إذا توسعت لتشمل مطالب إضافية تتعلق بالصواريخ أو النفوذ الإقليمي، فسنكون أمام إعادة تشكيل أوسع لمعادلة الردع في المنطقة. وفي الحالتين، يبقى التفاوض تحت الضغط هو السمة الأبرز لهذه المرحلة، حيث لا يُلغى التصعيد، بل يُعاد توظيفه كأداة ضمن هندسة الصراع ذاته.










