تشهد منطقة الساحل الإفريقي، الجزائر والنيجر، مرحلة من إعادة الهيكلة الجيوسياسية الشاملة، عقب سلسلة الانقلابات العسكرية التي أطاحت بالأنظمة الموالية للغرب في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وبرزت الزيارات الرسمية المتبادلة بين الجزائر والنيجر مؤخراً كحجر زاوية في محاولة صياغة أمن إقليمي جديد، بعيداً عن التدخلات الأجنبية التي أثبتت فشلها على مدار العقود الماضية.
وتسعى الجزائر، باعتبارها القوة الإقليمية الأكبر المجاورة لمنطقة الأزمات، إلى استعادة دورها كـ "ضامن للاستقرار" عبر تفعيل الدبلوماسية الأمنية والاقتصادية مع السلطات الجديدة في نيامي، في محاولة لسد الفراغ الذي خلفه الانسحاب الفرنسي والأمريكي الجزئي من المنطقة.
إن توازنات القوى في الساحل بعد الانقلابات لم تعد تخضع للمنطق التقليدي المرتبط بمحاربة الإرهاب تحت المظلة الدولية، بل أصبحت ترتكز على مفهوم "السيادة الوطنية" ورفض الوصاية الخارجية.
ووفقاً لتقارير إخبارية، فإن قادة النيجر الجدد يجدون في الجزائر شريكاً "موثوقاً" لا يملك أجندات استعمارية، مما يمهد الطريق لتفاهمات أمنية عميقة تتعلق بمكافحة الهجرة غير الشرعية وتأمين الحدود المشتركة، فضلاً عن إحياء مشروع "أنبوب الغاز العابر للصحراء" الذي يربط نيجيريا بأوروبا عبر النيجر والجزائر، وهو المشروع الذي يمثل طوق نجاة اقتصادياً للمنطقة برمتها.
إعادة صياغة الأمن الإقليمي
تؤكد التحركات الجزائرية الأخيرة تجاه النيجر أن عقيدة الأمن القومي الجزائري انتقلت من "الدفاع السلبي" إلى "المبادرة الاستراتيجية"، حيث تدرك الجزائر أن أي انفجار أمني في الساحل سيؤدي حتماً إلى تدفق موجات من اللاجئين والمجموعات المسلحة نحو حدودها الجنوبية.
وبحسب تقارير مراكز الدراسات الأمنية، فإن التنسيق العسكري بين الجزائر ونيامي يهدف إلى بناء منظومة دفاعية "بينية" تعتمد على تبادل المعلومات الاستخباراتية وتأمين ممرات التجارة، مما يقلص من نفوذ الجماعات المتطرفة التي استغلت حالة السيولة السياسية عقب الانقلابات لتوسيع رقعة عملياتها في المثلث الحدودي الملتهب.
ومع ذلك، تواجه هذه التوازنات تحديات كبرى في ظل التنافس المحموم بين القوى الدولية؛ فبينما تسعى الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب إلى الحفاظ على حد أدنى من الوجود الاستخباري لمراقبة التمدد الروسي والصيني، يصر قادة الساحل على تنويع شراكاتهم.
إن الدور الجزائري يبرز هنا كـ "صمام أمان" يمنع تحول المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة بين الشرق والغرب، حيث تدفع الجزائر نحو حلول "إفريقية-إفريقية" للأزمات، مستندة إلى إرثها التاريخي في دعم حركات التحرر ورفض القواعد العسكرية الأجنبية التي تعتبرها طهران وأنقرة والجزائر على حد سواء مصدراً لعدم الاستقرار.
الانقلابات كفعل سيادي متمرد
لم تكن الانقلابات التي شهدتها النيجر ومالي مجرد تغييرات عسكرية في هرم السلطة، بل كانت تعبيراً عن غضب شعبي عارم تجاه الفشل الذريع للسياسات الخارجية، لاسيما الفرنسية، في تحقيق الأمن والتنمية. ووفقاً لتقرير صادر عن "المرصد الإفريقي"، فإن القادة العسكريين في نيامي استطاعوا شرعنة وجودهم عبر خطابات تركز على استعادة الموارد الوطنية والتحكم في مناجم اليورانيوم والذهب.
هذا التحول دفع القوى الدولية، وعلى رأسها أمريكا، إلى إعادة تقييم استراتيجيتها في المنطقة، حيث يميل الرئيس دونالد ترامب إلى تقليص النفقات العسكرية الخارجية والتركيز على الصفقات الاقتصادية المباشرة التي تخدم المصلحة الأمريكية أولاً.
هذا "التمرد السيادي" خلق واقعاً جيوسياسياً جديداً يسمى "تحالف دول الساحل"، وهو تكتل يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ويهدف إلى إنشاء منظومة دفاعية واقتصادية مستقلة. وتجد الجزائر نفسها أمام موازنة دقيقة بين دعم تطلعات هذه الشعوب في الاستقلال وبين الحفاظ على أطر الشرعية الدولية ومبادئ الاتحاد الإفريقي. إن التحليل العميق يشير إلى أن الجزائر تراهن على "الواقعية السياسية" عبر الاعتراف بالأمر الواقع في النيجر والتعامل معه كشريك ضروري لحماية العمق الاستراتيجي، مع استمرار التحذير من مغبة التدخلات الخارجية التي قد تؤدي إلى تمزيق النسيج المجتمعي لدول المنطقة.
المشاريع الكبرى وتحديات الجغرافيا
تمثل الجغرافيا في الساحل الإفريقي قدراً لا يمكن الفرار منه، حيث تشترك الجزائر مع النيجر في حدود تتجاوز 950 كيلومتراً من التضاريس الوعرة والصحاري المفتوحة. إن الزيارات الرسمية المتبادلة في عام 2026 تركز بشكل أساسي على الجانب التنموي، انطلاقاً من القناعة بأن "الأمن يبدأ من التنمية".
وتعتبر مشاريع مثل "طريق الوحدة الإفريقية" والألياف البصرية التي تربط الجزائر بعمق القارة، أدوات قوية لربط النيجر بالبحر المتوسط، مما يقلل من عزلتها الجغرافية ويفتح آفاقاً جديدة للتبادل التجاري بعيداً عن الهيمنة التقليدية للموانئ الغربية.
لكن هذه الطموحات تصطدم بواقع أمني معقد، حيث تنشط تنظيمات مثل "داعش في الصحراء الكبرى" و"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين".
إن توازنات الساحل الجديدة تعتمد بشكل كبير على قدرة الجيش النيجري، المدعوم لوجستياً من الجزائر وتكنولوجياً من شركاء دوليين جدد، على فرض السيطرة الميدانية. ووفقاً لمصادر متابعة، فإن التنسيق الجزائري-النيجري يتضمن أيضاً ملفات حساسة تتعلق بالطاقة، حيث تسعى النيجر لتصدير نفطها عبر الموانئ الجزائرية، وهو ما يمثل تحولاً استراتيجياً يجعل من الجزائر المحرك الرئيسي للاقتصاد في منطقة الساحل والصحراء.
فلسطين والعدوان كبوصلة أخلاقية
في خضم هذه التحولات الإقليمية، تظل القضية الفلسطينية والعدوان المستمر منذ أكتوبر 2023 نقطة التقاء أخلاقية وسياسية بين الجزائر ودول الساحل. فالمجازر الإسرائيلية والتدخل الأمريكي المباشر في الحرب منذ نهاية عام 2023 وحتى عام 2026 عززت من مشاعر العداء للسياسات الغربية في إفريقيا. وتؤكد الجزائر، من خلال منصاتها الدولية، على زيف السردية الصهيونية ومسؤولية واشنطن عن إراقة الدماء، وهي النبرة التي تجد صدى واسعاً لدى القادة الجدد في النيجر ومالي الذين يرون في "النضال الفلسطيني" نموذجاً لمقاومة الهيمنة والاحتلال.
إن هذا الربط بين قضايا التحرر في فلسطين وبين الصراع السيادي في الساحل يعطي للدور الجزائري صبغة "ثورية" محببة لشعوب المنطقة، ويضع السياسة الأمريكية بقيادة الرئيس ترامب في موقف حرج؛ فواشنطن تحاول كسب ود الأنظمة الجديدة في الساحل لمحاصرة النفوذ الروسي، لكن دعمها المطلق لإسرائيل يقوض مصداقيتها ويجعل من الجزائر وسيطاً أكثر جاذبية. وهكذا، يتحول الساحل الإفريقي في عام 2026 إلى مختبر لصراع الإرادات بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية الصاعدة، حيث تبقى السيادة والكرامة هي العملة الأكثر قيمة في بورصة التحولات السياسية.








