قال الدكتور سعيد أبو رحمة الباحث في قضايا الصراع أن كلمة بنيامين نتنياهو تعكس خطابًا سياسيًا يهدف إلى تثبيت معادلة الحسم الشامل بعد مرحلة طويلة من الحرب، من خلال الجمع بين الرسائل الأمنية الصارمة والتأكيد على متانة الاقتصاد والدعم الدولي.
الكلمة لا تتحرك في اتجاه واحد، بل تبني سردية مترابطة قوامها أن إسرائيل استعادت زمام المبادرة عسكريًا، وتتحرك استراتيجيًا لإعادة تشكيل بيئتها الإقليمية، فيما تواصل تعزيز مكانتها الاقتصادية عالميًا.
وأكد أبو رحمة لـ"180 تحقيقات"، أما في الشق المتعلق بغزة يطرح نتنياهو مفهوم نزع السلاح بصيغة قصوى، إذ لا يكتفي بإزالة الصواريخ أو القدرات الثقيلة، بل يوسّع التعريف ليشمل الأسلحة الفردية. هذا الطرح يتجاوز فكرة الردع المؤقت إلى هدف التجريد الكامل، مما يعني عمليًا السعي إلى إنهاء أي قدرة قتالية لدى حركة حماس. سياسيًا يرفع ذلك سقف الشروط إلى مستوى يجعل أي تسوية مشروطة بتغيير جذري في الواقع الأمني داخل القطاع. كما أن تأكيده أن وقف إطلاق النار لا يلغي حرية العمل العسكري يعكس تمسكًا بعقيدة أمنية تقوم على حرية المبادرة وعدم الارتهان لاتفاقات تهدئة.
أما في البعد الإقليمي ينتقل الخطاب إلى إيران، حيث يطالب بتفكيك البنية التحتية للتخصيب، وإخراج المواد المخصبة، وعدم الإبقاء على البرنامج الصاروخي، مع حصر مدى الصواريخ الباليستية. هذه المطالب تشير إلى محاولة صياغة رؤية أمنية تتجاوز إدارة التهديد إلى تقويضه جذريًا.
نتنياهو يربط إيران بغزة
وأشار خلال تصريحاته، إن إدراج هذا الملف في كلمة نتنياهو ذاتها يربط بين ساحة غزة والساحة الإيرانية ضمن تصور واحد يعتبر أن مصدر التهديد متعدد الجبهات لكنه مترابط. كما أن إبراز الدعم الأمريكي، خصوصًا من دونالد ترامب، يهدف إلى إظهار أن هذه الرؤية تحظى بغطاء دولي، ما يعزز موقع إسرائيل التفاوضي ويبعث برسائل ردع إقليمية.
أما الجانب اللافت في الكلمة هو الانتقال من الأمن إلى الاقتصاد، حيث يستعرض نتنياهو مؤشرات قوة العملة والبورصة وتراجع التضخم والفائدة. هذا الانتقال ليس تفصيلاً تقنيًا، بل جزء من استراتيجية خطابية تسعى إلى تحويل الأداء الاقتصادي إلى دليل على صواب المسار السياسي والعسكري. فبينما يتحدث عن حرب نزع شرعية، يردّ عليها بلغة الأسواق والاستثمارات، في محاولة لإظهار أن الواقع الاقتصادي يناقض سرديات العزلة أو التراجع.
ثلاثة أعمدة
من الناحية البنيوية تقوم الكلمة على ثلاثة أعمدة: إنجاز عسكري يرسّخ الردع، ضغط استراتيجي على إيران يعيد رسم حدود التهديد، واقتصاد قوي يمنح شرعية داخلية وخارجية. غير أن هذا البناء يحمل تحديات؛ فرفع سقف المطالب الأمنية إلى أقصاه قد يجعل أي حل سياسي لاحق يبدو أقل من التعهدات المعلنة، كما أن ربط صورة النصر بمؤشرات اقتصادية متغيرة يضع الخطاب أمام اختبار الاستدامة.
يمكن قراءة الكلمة باعتبارها محاولة لإعادة تثبيت صورة القيادة القادرة على تحويل الحرب من أزمة إلى فرصة، وتقديم إسرائيل كقوة لا تدير الصراع فقط، بل تسعى لإعادة صياغة قواعده على المستويين الأمني والاقتصادي.










