في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، يكتسب اجتماع اللجنة الاقتصادية الإيرانية الروسية دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد لمثل هذه اللقاءات. فالتقارب بين طهران وموسكو لم يعد مجرد تنسيق سياسي أو عسكري ظرفي، بل أخذ يتجذر في بنية اقتصادية تسعى إلى بناء مسارات التفاف واضحة على منظومة العقوبات الغربية، وإعادة هندسة العلاقات التجارية والمالية بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.
يأتي هذا التحرك في سياق تصاعد الضغوط على البلدين، حيث تواجه إيران منذ سنوات عقوبات أمريكية وأوروبية خانقة، فيما تخوض روسيا مواجهة اقتصادية مفتوحة مع الغرب منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا في فبراير 2022. وبينما تراهن أمريكا على خنق الموارد المالية وتقليص قدرة الخصوم على الوصول إلى الأسواق العالمية، تبدو موسكو وطهران عازمتين على بناء منظومة موازية، ولو جزئيًا، تعيد تعريف مفهوم "الحصار" ذاته.
طهران وموسكو خلفية متشابكة
انعقدت اجتماعات اللجنة الاقتصادية الإيرانية الروسية في ظل تسارع وتيرة التعاون بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد أن توسعت دائرة العقوبات الغربية على موسكو. ووفقًا لما أعلنته الحكومتان في بيانات رسمية، فإن المباحثات ركزت على تعزيز التبادل التجاري، وتطوير مشاريع الطاقة والنقل، وتسهيل المعاملات المصرفية بين الجانبين.
التقارب الاقتصادي لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسار طويل من التعاون في مجالات الطاقة والدفاع والبنية التحتية. غير أن المتغير الحاسم كان اتساع نطاق العقوبات الغربية، ما دفع الطرفين إلى الانتقال من مستوى التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الهادفة إلى تقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي، خصوصًا الدولار وشبكات التحويل التي تخضع لرقابة أمريكية مباشرة.
دوافع طهران
بالنسبة لإيران، تمثل الشراكة مع روسيا فرصة لإعادة تنشيط اقتصادها الذي أنهكته العقوبات، خاصة في ما يتعلق بتصدير النفط والغاز، واستيراد التكنولوجيا والسلع الصناعية. فطهران تسعى إلى فتح قنوات مصرفية بديلة تسمح لها بالحصول على عائدات صادراتها دون المرور عبر النظام المالي الخاضع للرقابة الأمريكية.
كما أن التعاون في مشاريع النقل، مثل الممرات البرية والسككية التي تربط روسيا بإيران وصولًا إلى الخليج والهند، يمنح طهران موقعًا استراتيجيًا في سلاسل الإمداد الإقليمية. وهذا يعزز قدرتها على تحويل موقعها الجغرافي إلى ورقة قوة اقتصادية، بدل أن يبقى مجرد عامل ضغط في سياق العقوبات.
حسابات موسكو
أما موسكو، فترى في طهران شريكًا ضروريًا في معركة كسر العزلة الغربية. فروسيا، التي أعادت توجيه جزء كبير من صادراتها النفطية والغازية نحو آسيا بعد العقوبات الأوروبية، تحتاج إلى شركاء قادرين على بناء شبكات تجارة وتمويل موازية.
دور موسكو في "حماية" طهران اقتصاديًا لا يعني بالضرورة تعويضها الكامل عن خسائر العقوبات، بل يتمثل في توفير مظلة تعاون تشمل استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، وربط الأنظمة المصرفية بين البلدين، وتبادل الخبرات في إدارة الاقتصاد تحت الحصار. ووفقًا لتصريحات مسؤولين روس، فإن جزءًا مهمًا من التعاون يتركز على تقليل الاعتماد على الدولار في المعاملات الثنائية.
إلا أن هذا الدور الروسي تحكمه اعتبارات براغماتية؛ فموسكو بدورها تخضع لضغوط هائلة، وتسعى إلى تجنب خطوات قد تؤدي إلى تصعيد إضافي في العقوبات الثانوية الأمريكية التي قد تطال شركاءها.
آليات الالتفاف
أحد أبرز محاور التعاون يتمثل في تطوير أنظمة دفع بديلة لنظام "سويفت"، الذي تخضع مفاصله لنفوذ غربي واسع. كما يجري العمل على توسيع استخدام الروبل والريال في المبادلات الثنائية، إلى جانب مقايضات السلع، خاصة في قطاع الطاقة.
إضافة إلى ذلك، يبرز التعاون في مجالات الطاقة النووية السلمية، وتطوير حقول النفط والغاز، وتبادل الاستثمارات في البنية التحتية. هذه الخطوات، وإن كانت لا تلغي تأثير العقوبات، فإنها تقلل من حدتها وتمنح البلدين هامشًا أكبر للمناورة.
غير أن فعالية هذه الآليات تبقى رهينة قدرة الطرفين على جذب أطراف ثالثة للانضمام إلى هذا المسار، سواء عبر الانخراط في تكتلات اقتصادية بديلة أو عبر توسيع نطاق التعامل بالعملات المحلية خارج الإطار الثنائي.
حدود الشراكة
رغم الخطاب السياسي الذي يتحدث عن "تحالف استراتيجي"، فإن العلاقات الاقتصادية بين موسكو وطهران لا تخلو من التباينات. فكلا البلدين مصدر رئيسي للطاقة، ما يجعلهما منافسين في بعض الأسواق، لا سيما في آسيا.
كما أن حجم الاقتصاد الروسي يفوق نظيره الإيراني بشكل ملحوظ، ما يخلق اختلالًا في ميزان القوة داخل الشراكة. وبالتالي، فإن قدرة موسكو على حماية طهران اقتصاديًا تبقى محدودة بإمكاناتها الذاتية وبحساباتها مع الغرب، خاصة في ظل استمرار العقوبات وتوسعها.
انعكاسات إقليمية
التقارب الاقتصادي بين إيران وروسيا ينعكس على توازنات أوسع في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. فهو يعزز من حضور البلدين في مشاريع الممرات التجارية، ويمنحهما أدوات إضافية للتأثير في أسواق الطاقة.
لكن في المقابل، قد يدفع هذا التقارب الولايات المتحدة إلى تشديد العقوبات أو فرض قيود إضافية على الكيانات المتعاونة مع طهران وموسكو. وهنا تتجلى معادلة معقدة: كلما ازداد الضغط الغربي، تسارع البحث عن بدائل؛ وكلما توسعت البدائل، تصاعدت محاولات احتوائها.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى اجتماع اللجنة الاقتصادية الإيرانية الروسية باعتباره مجرد محطة تقنية، بل هو مؤشر على تحول أعمق في طبيعة الصراع الاقتصادي العالمي. فبين نظام مالي تقوده أمريكا وتسعى من خلاله إلى فرض إرادتها السياسية، ومحاولات لبناء شبكات موازية أقل خضوعًا للعقوبات، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها: الاقتصاد كساحة صراع مفتوح، لا يقل أهمية عن ميادين السياسة والأمن









