دخلت حكومة بنيامين نتنياهو، نفقا سياسيا مظلما، إذ وضعت أزمة تجنيد "الحريديم" تماسك الائتلاف الحاكم على المحك الفعلي،وتفيد تقارير إعلامية إسرائيلية بأن الأحزاب الدينية، وعلى رأسها حزبا شاس ويهودية التوراة الموحدة، قد لوحت بشكل صريح بالانسحاب من الحكومة أو التصويت لصالح حل الكنيست إذا لم يتم إقرار قانون يضمن استمرار إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.
هذا التهديد لا يمثل مجرد مناورة سياسية، بل هو انعكاس لضغوط هائلة من الشارع "الحريديم" الذي يرى في التجنيد القسري محاولة لتدمير الهوية الدينية و"عالم التوراة" الذي يمثلونه.
إن خطورة هذا التصدع تكمن في أن "نتنياهو" بات محاصرا بين استحقاقات الميدان العسكري الذي يعاني نقصاً حاداً يقدر بنحو 12 ألف جندي، وبين حاجته الماسة لأصوات الأحزاب الدينية للبقاء في السلطة.
وبحسب تقارير من "ميدل إيست أونلاين" وصحف عبرية، فإن أي محاولة لإرضاء الجيش والعلمانيين عبر تمرير قانون التجنيد ستعني فقدان الائتلاف لأغلبيته البرلمانية (68 مقعداً)، مما يمهد الطريق لانتخابات مبكرة قد تطيح بمستقبل "نتنياهو" السياسي في ظل دعم أمريكي غير مسبوق من إدارة "ترامب" للتيارات الأكثر يمينية، ولكن بشروط أمنية صارمة تطلب الكفاءة القتالية العالية.
صراع الهوية والحرب
تتجاوز احتجاجات "الحريديم" التي اشتعلت في "بني براك" والقدس مطلع عام 2026 مجرد الرفض للخدمة العسكرية، لتكشف عن صراع هوية وجودي يتزامن مع استمرار المجازر في غزة والعمليات في الضفة.
وترى تحليلات سياسية أن استمرار الحرب منذ أكتوبر 2023 قد استنزف القوى البشرية للجيش، مما جعل المطالبة بـ "المساواة في العبء" تكتسب زخماً شعبياً وقانونياً غير مسبوق، خاصة بعد قرار المحكمة العليا الذي رفع الغطاء القانوني عن الإعفاءات التاريخية. هذا الضغط الشعبي يضع الحكومة أمام معضلة أخلاقية وسياسية؛ فكيف تطالب المواطنين بالتضحية في غزة بينما تعفي فئة كاملة لأسباب دينية؟
وفي هذا السياق، تبرز حالة من التناقض الصارخ؛ فبينما يصر "الحريديم" على شعار "نموت ولا نتجند"، تواصل الآلة الحربية حصد أرواح الفلسطينيين وتدمير مقومات حياتهم في غزة والضفة بدعم مباشر من أمريكا.
وتؤكد مصادر مطلعة أن "نتنياهو" يحاول شراء الوقت عبر ترحيل الأزمة إلى ما بعد إقرار الميزانية في مارس 2026، إلا أن حالة الغليان في الشارع والصدامات العنيفة مع الشرطة تشير إلى أن الرهان على الوقت قد يسقط الحكومة قبل أوانها.
إن هذا المشهد يعكس هشاشة البنية الداخلية للاحتلال، حيث باتت المصالح الحزبية الضيقة للأحزاب الدينية تتقدم على "الأمن القومي" المزعوم، مما ينذر بإعادة تشكيل كاملة للخارطة السياسية الإسرائيلية في القريب العاجل.










