مع أول أيام شهر رمضان لم يكد الحديث عن وقف إطلاق النار في غزة يلتقط أنفاسه حتى عادت الخروقات لتفرض واقعًا يناقض كل البيانات الدبلوماسية. فبحسب تقارير ميدانية نشرتها صحيفة الأمم المتحدة، فإن وتيرة القصف الإسرائيلي لم تتوقف بصورة كاملة، بل تواصلت في مناطق متفرقة من القطاع، وسط اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن انهيار التهدئة. هذا الواقع أعاد إلى الأذهان هشاشة الاتفاقات التي تُبرم تحت ضغط إنساني، لكنها تظل رهينة ميزان القوة على الأرض.
استقبال شهر رمضان في ظل هذا المشهد لم يكن مجرد تفصيل زمني عابر، بل حمل دلالة إنسانية عميقة؛ إذ وجد مئات الآلاف من الفلسطينيين أنفسهم بين ركام منازلهم، يحاولون تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة مع استقبال رمضان، ووفقًا لتقديرات وكالات إغاثة دولية، فإن البنية التحتية في غزة تعرّضت لتدمير واسع منذ أكتوبر 2023، مع استمرار الغارات التي طالت أحياء سكنية ومرافق مدنية، في سياق تصفه منظمات حقوقية بأنه يتجاوز مبررات "الدفاع عن النفس" التي تروّجها الرواية الإسرائيلية.
رمضان تحت النار
رمضان في غزة هذا العام لم يكن شهر طقوس وروحانيات بقدر ما كان اختبارًا جديدًا للصمود. فبحسب تقارير ميدانية لصحيفة الغارديان، فإن عائلات كثيرة اضطرت إلى الإفطار في مراكز إيواء مكتظة أو في العراء، بينما لا تزال أصوات الانفجارات تُسمع في محيطهم. هذا التناقض بين قدسية شهر رمضان وواقع الحرب يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تعيشها غزة منذ شهور.
وفي مقابل الخطاب الإسرائيلي الذي يحمّل الفصائل الفلسطينية مسؤولية استمرار التوتر، تؤكد تقارير صادرة عن منظمات دولية أن نمط القصف واتساع نطاقه يشير إلى استراتيجية تتجاوز الرد العسكري المحدود، لتلامس إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي للقطاع. هنا، يصبح الحديث عن "خروقات" أكثر من مجرد تجاوز تقني لاتفاق، بل مؤشرًا على غياب إرادة حقيقية لتثبيت تهدئة مستدامة.
حل الدولتين يتآكل
في سياق موازٍ، تتزايد التحذيرات الأممية من أن حل الدولتين بات يواجه خطرًا وجوديًا. فقد حذّر الأمين العام للأمم المتحدة في أكثر من مناسبة من أن استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، إلى جانب الحرب المدمرة على غزة، يقوّض الأسس التي قام عليها المسار السياسي منذ اتفاق أوسلو. وبحسب تقارير رسمية عُرضت في مجلس الأمن، فإن تآكل الأراضي المخصصة للدولة الفلسطينية يجعل إمكانية قيامها عمليًا أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
التقويض لا يأتي فقط من الوقائع الميدانية، بل أيضًا من تحولات سياسية داخل إسرائيل تعلن صراحة رفضها لفكرة الدولة الفلسطينية. هذا التوجه يجد دعمًا غير مباشر في المواقف الأمريكية التي، رغم حديثها المتكرر عن "أفق سياسي"، تواصل تقديم دعم عسكري وسياسي واسع لإسرائيل. وهنا تبرز مفارقة لافتة: خطاب يؤيد الحل الدبلوماسي، وممارسة على الأرض تكرّس معادلة القوة.
من إدارة الصراع
لسنوات طويلة، اعتمدت الأطراف الدولية مقاربة تقوم على "إدارة الصراع" بدل حله، أي احتواء الانفجارات الدورية ومنعها من التحول إلى حرب إقليمية شاملة. هذه السياسة سمحت بتأجيل الانفجار الكبير، لكنها لم تعالج جذور القضية، وفي مقدمتها الاحتلال وغياب السيادة الفلسطينية. ومع كل جولة تصعيد، كانت تعود الوعود بإعادة الإعمار واستئناف المفاوضات، دون تغيير جوهري في موازين القوى.
غير أن ما يحدث منذ أكتوبر 2023 يشير إلى تحوّل نوعي. فحجم الدمار في غزة، وعدد الضحايا المدنيين، والخطاب السياسي المصاحب للعملية العسكرية، كلها عناصر توحي بأن المسألة لم تعد مجرد جولة جديدة في سلسلة جولات، بل مرحلة مختلفة تسعى إلى فرض وقائع يصعب التراجع عنها.
إلى إعادة التشكيل
الانتقال من إدارة الصراع إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية يعني عمليًا إعادة رسم حدود النفوذ والسيطرة على الأرض. في غزة، يتجلى ذلك في الحديث الإسرائيلي المتكرر عن "مناطق عازلة" وإعادة ترتيب المشهد الأمني للقطاع. وفي الضفة الغربية، يتواصل التوسع الاستيطاني بما يغيّر الخريطة الديموغرافية ويُجزّئ الأرض الفلسطينية إلى كانتونات منفصلة.
هذا التحول لا يحدث بمعزل عن الدور الأمريكي المباشر في الحرب، سواء عبر الدعم العسكري أو الغطاء السياسي في المحافل الدولية. وبينما تصر أمريكا على تأكيد حق إسرائيل في "الدفاع عن نفسها"، تتجاهل تقارير موثقة عن مجازر بحق المدنيين منذ أكتوبر 2023، ما يعمّق الانطباع بأن واشنطن شريك أساسي في صياغة المرحلة الجديدة.
في ضوء ذلك، تبدو خروقات وقف إطلاق النار في غزة، واستقبال رمضان تحت القصف، وتقويض حل الدولتين، حلقات مترابطة في مسار أوسع. مسار لا يكتفي بإدارة أزمة، بل يعيد صياغة الخريطة السياسية للمنطقة، وسط صمت دولي متردد، وواقع إنساني يزداد قسوة يومًا بعد يوم خصوصا مع استقبال رمضان ووضع قيود على العبادة.










