4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

سيناريوهات الانهيار أو التسوية..  أين يتجه لبنان في ظل الصراع الإقليمي المحتدم؟

تشهد الساحة اللبنانية مؤخراً تصعيداً في الطروحات المتعلقة بوضع استراتيجية دفاعية وطنية تهدف بشكل مباشر إلى حصر السلاح بيد الجيش اللبناني

بقلم: محمد خميس
١٨ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
10 مشاهدة
لبنان

لبنان

يدخل لبنان عام 2026 وهو يرزح تحت وطأة ضغوط تاريخية غير مسبوقة، حيث تتقاطع الأزمة الاقتصادية الهيكلية مع طروحات دولية وإقليمية حادة تهدف إلى إعادة رسم موازين القوى الداخلية، وعلى رأسها ملف نزع سلاح حزب الله. 

هذا الملف الذي لم يعد مجرد نقاش سياسي في أروقة الصالونات الدبلوماسية، بل تحول إلى شرط أساسي مرتبط بخطط الإنقاذ المالي والاعتراف الدولي بالشرعية اللبنانية الكاملة، وفي ظل هذا التجاذب الحاد، يجد المواطن اللبناني نفسه عالقاً بين كماشة الانهيار المعيشي الذي أدى إلى انفجار احتجاجات شعبية عارمة في مختلف المناطق، وبين صراع الإرادات الذي يسعى لتفكيك المنظومة العسكرية والسياسية للحزب، مما يضع البلاد أمام سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين التسوية الشاملة أو الانزلاق نحو فوضى أمنية تطيح بما تبقى من مؤسسات الدولة المتهالكة أصلاً بفعل سنوات من الفساد والمحاصصة.

خطة نزع سلاح حزب الله والضغوط الدولية

تشهد الساحة اللبنانية مؤخراً تصعيداً في الطروحات المتعلقة بوضع استراتيجية دفاعية وطنية تهدف بشكل مباشر إلى حصر السلاح بيد الجيش اللبناني وحده، وهي الخطة التي تتبناها قوى معارضة بدعم دولي كثيف.

 وترتكز هذه الخطة على ضرورة تجريد حزب الله من ترسانته العسكرية باعتبارها العائق الأكبر أمام قيام دولة قوية وقادرة على بسط سيادتها، فضلاً عن كونها الذريعة التي تستخدمها القوى الدولية لاستمرار الحصار المالي غير المعلن على لبنان.

 ومع تزايد التوترات الإقليمية في عام 2026، بات هذا الملف يشكل حجر الزاوية في أي مفاوضات لإعادة إعمار ما دمرته الأزمات المتلاحقة، حيث تشترط الصناديق الدولية والجهات المانحة وجود "ضمانات سيادية" تبدأ بتفكيك البنية العسكرية الموازية للدولة، وهو أمر يواجهه الحزب برفض قاطع معتبراً سلاحه ضمانة وطنية ضد الأطماع الخارجية، مما يعمق الانقسام العمودي في المجتمع.

الاحتجاجات الاقتصادية وانفجار الشارع اللبناني

لم تعد المسكنات المالية كافية لتهدئة الشارع اللبناني الذي انفجر في موجة احتجاجات هي الأعنف منذ سنوات، حيث أدى التضخم المفرط وانهيار القوة الشرائية لليرة اللبنانية إلى وصول معدلات الفقر لمستويات مرعبة. المتظاهرون الذين ملأوا الساحات في بيروت وطرابلس وصيدا لم يكتفوا هذه المرة بالمطالب المعيشية، بل بدأوا بربط جوعهم بالسياسة الخارجية والداخلية للبلاد، محملين الطبقة الحاكمة وسلاح حزب الله مسؤولية العزلة الدولية التي يعاني منها لبنان.

 هذه الاحتجاجات تميزت بكونها عابرة للطوائف والمناطق، مما أربك السلطة السياسية التي حاولت احتواء الموقف عبر وعود إصلاحية لم تجد طريقاً للتنفيذ، في ظل نضوب الاحتياطيات النقدية وفشل الاتفاقات النهائية مع صندوق النقد الدولي الذي يطالب بإصلاحات جذرية تطال جوهر النظام السياسي القائم على المحاصصة والزبائنية.

ربط الأزمة الاقتصادية بإعادة تشكيل موازين القوى

تكمن زاوية التحليل الأهم في فهم كيفية استخدام الأزمة الاقتصادية كأداة ضغط استراتيجية لإعادة تشكيل ميزان القوة الداخلي في لبنان، حيث يبدو أن هناك توجهاً لتحميل "بيئة المقاومة" كلفة اقتصادية باهظة لدفعها نحو مراجعة خياراتها السياسية.

 إن ربط المساعدات الدولية والتدفقات المالية بملف السلاح هو عملية "خنق ناعم" تهدف إلى إضعاف النفوذ السياسي لحزب الله من بوابة الجوع والانهيار الاجتماعي، فالأزمة الاقتصادية الحالية ليست مجرد نتيجة لسوء الإدارة، بل هي جزء من ضغط إقليمي يهدف إلى تجريد الحزب من حاضنته الشعبية عبر إشعاره بأن ثمن التمسك بالسلاح هو الفقر الدائم. 

في المقابل، يحاول الحزب الالتفاف على هذه الضغوط عبر البحث عن بدائل اقتصادية شرقية، إلا أن تعقيدات النظام المالي العالمي تجعل من هذا الخيار صعب المنال، مما يعزز من فاعلية السلاح الاقتصادي في تغيير المعادلات الداخلية.

استراتيجية الحكومة بين المطرقة والسندان

تجد الحكومة اللبنانية نفسها في موقف لا تحسد عليه، فهي مطالبة أمام المجتمع الدولي بتنفيذ قرارات دولية (مثل الـ 1559 والـ 1701) التي تدعو لنزع السلاح، بينما تخشى من انفجار داخلي مسلح إذا ما حاولت المساس بترسانة حزب الله بالقوة. 

هذا الشلل الحكومي ينعكس سلباً على الأداء الاقتصادي، حيث تتردد الاستثمارات في الدخول إلى بيئة يسودها عدم اليقين الأمني والسياسي. إن محاولات السلطة التنفيذية للفصل بين المسار الاقتصادي والمسار السياسي باءت بالفشل، إذ أثبتت وقائع عام 2026 أن "الأمن القومي" اللبناني مرتبط عضوياً بـ "الأمن الغذائي"، وأن أي خطة تعافٍ اقتصادي لا تمر عبر حل جذري لمشكلة السلاح والسيادة ستظل مجرد حبر على ورق، مما يجعل الحكومة مجرد "مدير أزمة" بانتظار تسوية إقليمية كبرى قد تأتي أو لا تأتي.

سيناريوهات المستقبل والتحولات الجذرية

بناءً على المعطيات الراهنة، يتأرجح مستقبل لبنان في عام 2026 بين سيناريوهين أحلاهما مر؛ الأول هو الوصول إلى "اتفاق وطني جديد" برعاية دولية يلحظ دمج سلاح حزب الله ضمن هيكلية الجيش مقابل رزمة إنقاذ مالي مليارية تخرج البلاد من نفق الفقر، وهو سيناريو يتطلب تنازلات مؤلمة من كافة الأطراف. 

أما السيناريو الثاني فهو استمرار الانهيار الاقتصادي المتسارع وصولاً إلى لحظة "الارتطام الكبير"، حيث قد تفقد الدولة السيطرة على الشارع، مما يفتح الباب أمام تدخلات خارجية مباشرة أو انزلاق البلاد نحو كانتونات أمنية واقتصادية مستقلة. 

إن الرهان الآن هو على وعي النخب السياسية بضرورة تقديم المصلحة الوطنية العليا على الأجندات الإقليمية، فلبنان الذي عرف بـ "سويسرا الشرق" لم يعد يملك ترف الوقت، والجوع الذي يطرق أبواب اللبنانيين لا يفرق بين مؤيد للسلاح ومعارض له.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال