20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

من قلب إثيوبيا: أردوغان يرفض انفصال أرض الصومال ويعيد رسم نفوذ تركيا بالقرن الأفريقي

جاءت زيارة أردوغان إلى أديس أبابا في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع تصاعد مشروع تكريس انفصال «أرض الصومال»، ومحاولات قوى خارجية، وعلى رأسها إسرائيل، فرض واقع جيوسياسي جديد في القرن الأفريقي

بقلم: أخبار ومتابعات
١٨ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
9 مشاهدة
رئيس وزراء إثيوبيا يستقبل أردوغان

رئيس وزراء إثيوبيا يستقبل أردوغان

جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع تصاعد مشروع تكريس انفصال إقليم «أرض الصومال»، ومحاولات من قوى خارجية، وعلى رأسها إسرائيل، فرض واقع جيوسياسي جديد في القرن الأفريقي. وقد حرص أردوغان على توجيه رسالة سياسية مباشرة، أكد فيها أن اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «لن يفيد أرض الصومال ولا المنطقة»، معتبراً الخطوة انتهاكاً لمبدأ سيادة الدول وتهديداً للاستقرار الإقليمي.

هذا الموقف لم يكن مجرد تعليق دبلوماسي عابر، بل يعكس إدراكاً تركياً بأن ملف صوماليلاند أصبح بوابة لإعادة تشكيل موازين القوى في منطقة تعد واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم. فالإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال عام 1991 تحول إلى محور تنافس دولي متصاعد، وتسعى بعض القوى إلى استثماره ككيان وظيفي يمنحها موطئ قدم استراتيجياً على البحر الأحمر وخليج عدن.

كما شدد أردوغان على أن تركيا ترفض بشكل قاطع تحويل القرن الأفريقي إلى ساحة صراع بين القوى الخارجية، في إشارة واضحة إلى مشاريع النفوذ التي تتجاوز إرادة دول المنطقة، مؤكداً أن الحلول يجب أن تنبع من داخل الإقليم نفسه وليس عبر فرض وقائع جديدة بالقوة السياسية أو العسكرية.

سيادة القرن الأفريقي

ركزت التصريحات التركية على مبدأ وحدة الأراضي الوطنية للدول الأفريقية، حيث أكد أردوغان أن احترام السيادة يمثل حجر الأساس لأي استقرار دائم، وأن فتح باب الاعتراف بالكيانات الانفصالية سيؤدي إلى سلسلة نزاعات تهدد كامل المنطقة.

ويحمل هذا الموقف أبعاداً تتجاوز الصومال، ليشمل إثيوبيا نفسها، التي تواجه تحديات داخلية تتعلق بوحدة الدولة، وهو ما يجعل أنقرة حريصة على دعم مفهوم الدولة المركزية، باعتباره ضمانة لاستمرار الشراكات السياسية والاقتصادية التي بنتها خلال العقدين الماضيين.

كما يعكس هذا التوجه إدراكاً تركياً بأن أي تفكيك جيوسياسي في القرن الأفريقي قد يفتح المجال لتدخلات عسكرية أجنبية أوسع، وهو سيناريو تسعى أنقرة إلى منعه، حفاظاً على توازن نفوذها في منطقة تعد امتداداً حيوياً لأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية.

اتفاقيات استراتيجية جديدة

على المستوى الثنائي، شهدت الزيارة توقيع اتفاقيات تعاون جديدة بين تركيا وإثيوبيا، شملت مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الاقتصادي، وأخرى في مجال الطاقة، ما يؤكد أن أنقرة تسعى إلى تثبيت وجودها عبر أدوات التنمية والاستثمار، بالتوازي مع تحركاتها السياسية.

تركيا وإثيوبيا توقعان اتفاقين في مجالي الاقتصاد والطاقة

وأكد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن المحادثات مع أردوغان عززت الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وفتحت آفاقاً جديدة للتعاون في قطاعات حيوية، بما يعكس تقارباً متزايداً في الرؤى السياسية والمصالح الاقتصادية.

وتأتي هذه الاتفاقيات في ظل وجود أكثر من 200 شركة تركية تعمل في إثيوبيا باستثمارات تقدر بنحو 2.5 مليار دولار، توفر عشرات آلاف فرص العمل، ما يجعل أنقرة أحد أبرز الشركاء الاقتصاديين لأديس أبابا، ويمنحها نفوذاً اقتصادياً يدعم حضورها السياسي.

نفوذ تركي متصاعد

تعكس الزيارة استمرار الاستراتيجية التركية القائمة على توسيع حضورها في أفريقيا، عبر الجمع بين النفوذ الاقتصادي والدور الأمني والسياسي. فقد نجحت أنقرة خلال السنوات الماضية في بناء شبكة علاقات قوية في القرن الأفريقي، شملت تدريب قوات أمنية وتقديم دعم تنموي، مقابل تعزيز موقعها على أحد أهم خطوط التجارة العالمية.

ويكشف هذا التحرك عن تنافس متزايد بين القوى الإقليمية والدولية للسيطرة على هذه المنطقة الحساسة، حيث تسعى تركيا إلى تقديم نفسها كقوة داعمة للاستقرار ووحدة الدول، في مواجهة مشاريع ترى أنها تهدف إلى إعادة رسم الخريطة السياسية بما يخدم مصالح خارجية.

كما أن توقيت الزيارة، الذي يتزامن مع الذكرى المئوية للعلاقات بين البلدين، يعكس حرص أنقرة على ترسيخ شراكة طويلة الأمد مع إثيوبيا، باعتبارها أحد أهم مفاتيح التوازن في القرن الأفريقي.

مواجهة إعادة التقسيم

في جوهرها، حملت زيارة أردوغان رسالة سياسية واضحة مفادها أن تركيا لن تقف موقف المتفرج أمام محاولات إعادة تشكيل المنطقة عبر دعم كيانات انفصالية مثل صوماليلاند. فأنقرة تدرك أن نجاح مثل هذه المشاريع سيؤدي إلى تفكيك دول قائمة، وخلق كيانات هشة يمكن توظيفها ضمن صراعات النفوذ الدولية.

كما يعكس هذا الموقف سعي تركيا إلى تثبيت نفسها كوسيط إقليمي قادر على لعب دور في حل النزاعات، وهو ما ظهر في إشادتها بمسار الوساطة بين إثيوبيا والصومال، في محاولة لتقديم نموذج بديل عن التدخلات التي تعتمد على فرض الوقائع بالقوة.

وفي ظل تصاعد التنافس الدولي في القرن الأفريقي، تبدو زيارة أردوغان خطوة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى حماية المصالح التركية، ومنع خصومها من فرض ترتيبات جيوسياسية جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في واحدة من أهم مناطق العالم.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال