أصدرت بعثات دبلوماسية أوروبية رفيعة المستوى في القدس ورام الله بياناً مشتركاً اليوم الخميس، أعربت فيه عن قلقها البالغ والعميق إزاء التصعيد الإسرائيلي الأخير المتمثل في إغلاق مركز "برج اللقلق" المجتمعي الواقع داخل أسوار البلدة القديمة بمدينة القدس المحتلة لمدة ستة أشهر كاملة.
وضم البيان ممثلي الاتحاد الأوروبي إلى جانب 17 دولة أخرى، من بينها فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة وإسبانيا، حيث اعتبروا أن هذه الخطوة تساهم بشكل مباشر في تضييق الحيّز المدني والثقافي الفلسطيني، وتعد محاولة واضحة لعزل السكان المقدسيين عن مراكزهم الحيوية التي تقدم خدمات اجتماعية وتنموية أساسية لا غنى عنها في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها المدينة المقدسة تحت الاحتلال.
وشددت البعثات الأوروبية في بيانها على أن مركز برج اللقلق لم يكن يوماً كياناً سياسياً، بل هو صرح مجتمعي قدم على مدار ثلاثة عقود برامج تعليمية ورياضية وتربوية حيوية، استهدفت بشكل خاص فئتي الأطفال والشباب اللذين يعانون من نقص حاد في المساحات الآمنة للنمو والتطور.
وحذرت الدول الموقعة من أن استمرار مثل هذه القرارات التعسفية ينذر بتقويض عمل كافة منظمات المجتمع المدني الفلسطينية المستقلة في شرقي القدس، مما يترك فراغاً خطيراً يؤثر على النسيج الاجتماعي والخدماتي للمدينة. وطالب البيان سلطات الاحتلال بضرورة صون الحيز المدني وضمان استمرار الوصول إلى الخدمات الثقافية والاجتماعية دون عوائق سياسية أو أمنية واهية.
تفاصيل الاقتحام والقرار الجائر
تعود تفاصيل الواقعة إلى يوم الثلاثاء الماضي، عندما أقدمت قوات كبيرة من شرطة واحتلال الاحتلال الإسرائيلي على اقتحام مقر جمعية برج اللقلق المجتمعي بشكل مفاجئ، حيث سلمت الإدارة قراراً رسمياً موقعاً مما يسمى "وزير الأمن القومي" المتطرف إيتمار بن غفير، يقضي بإغلاق المقر ومرافقه كافة لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد.
ولم تكتفِ القوات بتسليم القرار، بل قامت بإخلاء الموظفين والمتواجدين بالقوة، ثم شرعت في إغلاق الأبواب الرئيسية باستخدام "اللحام الأوكسجيني" لمنع الدخول إليه نهائياً، مستندة في ذلك إلى قانون إسرائيلي فضفاض يمنع أي نشاط يزعم الاحتلال أنه يمثل "سيادة" للسلطة الوطنية الفلسطينية داخل حدود مدينة القدس.
من جانبها، أعلنت إدارة جمعية برج اللقلق رفضها القاطع لهذا القرار الذي وصفته بالانتقامي، مؤكدة أنها مؤسسة اجتماعية مقدسية مسجلة رسمياً وتمارس أنشطتها وفقاً للقانون الدولي والمحلي، ولا علاقة لأنشطتها بالصراعات السياسية السيادية.
وأوضحت الجمعية أن استهدافها يأتي ضمن حملة أوسع تستهدف كل ما هو فلسطيني في القدس، خاصة وأن المركز يمثل ثاني أكبر مساحة مفتوحة داخل البلدة القديمة بعد المسجد الأقصى المبارك، مما يجعله مطمعاً دائماً للمخططات التهويدية. وأكدت الإدارة أنها بدأت بالفعل في اتخاذ إجراءات قانونية وعبر القنوات الدبلوماسية للطعن في هذا القرار الظالم وإعادة فتح المقر لاستئناف خدماته لآلاف المستفيدين الذين باتوا اليوم في الشارع بلا مأوى ثقافي أو رياضي.
أهمية المركز ودوره المجتمعي
تأسست جمعية برج اللقلق في عام 1991 على مساحة جغرافية استراتيجية تبلغ نحو 9.5 دونمات، وهي منطقة ملاصقة تماماً لسور القدس التاريخي من الجهة الشمالية الشرقية، مما منحها أهمية استثنائية كمتنفس وحيد لأهالي البلدة القديمة الذين يعانون من الاكتظاظ السكاني الخانق.
ويستفيد من مرافق الجمعية يومياً ما بين 300 و500 مشارك من مختلف الفئات العمرية، حيث تضم الجمعية ملاعب لكرة القدم وكرة السلة، وقاعات لممارسة الفنون القتالية مثل الجودو والتايكواندو، بالإضافة إلى روضة للأطفال ومختبر حاسوب متطور يقدم دورات تقنية للشباب، وبرامج متخصصة لتمكين المرأة المقدسية وتزويدها بالمهارات الحياتية والمهنية اللازمة.
إن إغلاق هذا الصرح يعني عملياً شطب عقود من العمل التربوي والاجتماعي الذي ساهم في حماية مئات الشباب من الانزلاق نحو آفات التهميش أو الضياع، حيث كان "برج اللقلق" بمثابة البيت الثاني الذي يحتضن مواهبهم ويصقل شخصياتهم الوطنية والإنسانية.
كما أن استهداف طواقم الإعمار والأنشطة الإنشائية داخل المركز في فترات سابقة يؤكد أن الاحتلال يهدف إلى تحويل هذه المساحة الخضراء المفتوحة إلى "نقطة ميتة" تمهيداً للسيطرة عليها مستقبلاً، وهو ما يفسر الإصرار الإسرائيلي على منع أي نشاط جماهيري فيها، بذريعة الحفاظ على الأمن، بينما الواقع يؤكد أنها حرب على الهوية والوجود الفلسطيني في قلب القدس.










