أطلق وزير الخارجية التركي هاكان فيدان سلسلة من التصريحات الهامة والمفصلية التي ترسم ملامح الدور التركي المرتقب في قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة، حيث أكد استعداد أنقرة الكامل للمشاركة بفاعلية في دعم قوة الاستقرار الدولية التي يُقترح تشكيلها لضمان الأمن والهدوء في القطاع.
وتأتي هذه الخطوة لتعكس الرغبة التركية في التحول من دور الداعم الإنساني إلى دور الضامن السياسي والميداني، وهو ما يعزز من ثقل تركيا كلاعب إقليمي قادر على صياغة تفاهمات معقدة بين الأطراف الدولية والمحلية.
ويرى مراقبون أن هذا الاستعداد التركي يهدف إلى ملء الفراغ الأمني بمقترحات تحظى بقبول دولي وفلسطيني، بعيداً عن الحلول الأحادية التي قد تفرضها سلطات الاحتلال.
إن الانخراط التركي في قوة استقرار دولية يعني بالضرورة وجود ضمانات كافية لحماية المدنيين الفلسطينيين وضمان عدم تكرار الاعتداءات العسكرية، وهو ما تراه أنقرة جزءاً لا يتجزأ من مسؤوليتها تجاه استقرار حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط.
وقد أوضح وزير الخارجية أن هذه المشاركة لا تهدف فقط إلى فرض الانضباط الأمني، بل إلى خلق بيئة مواتية لانطلاق عملية سياسية شاملة تنتهي برفع الحصار وبدء الحياة الطبيعية للسكان الذين عانوا من ويلات الحرب والدمار.
هذا التوجه التركي ينسجم مع الدعوات الأممية التي تطالب بوجود طرف ثالث موثوق يساهم في خفض التصعيد وبناء الثقة بين كافة الأطراف المتنازعة في المنطقة.
دعم الخدمات وبناء المؤسسات الأمنية
وفي سياق متصل، شدد وزير الخارجية التركي على أن التزام بلاده تجاه قطاع غزة يتجاوز الطابع العسكري والأمني ليشمل الجوانب الحيوية التي تمس حياة المواطن اليومية، حيث أعلن عن التزام تركيا بتقديم حزم مساعدات تعليمية وصحية مكثفة تهدف إلى ترميم المؤسسات المنهارة في القطاع.
وأكد الوزير أن تركيا تمتلك الخبرات والكوادر اللازمة لإعادة تشغيل المستشفيات والمدارس وتزويدها بالاحتياجات التكنولوجية والطبية الحديثة، مما يضمن عدم ضياع جيل كامل من الأطفال والشباب الفلسطينيين نتيجة انقطاع العملية التعليمية وتدهور الرعاية الصحية، معتبراً أن الاستثمار في الإنسان الفلسطيني هو الضمانة الحقيقية لأي سلام مستدام في المنطقة.
ولعل أبرز ما جاء في كلمة وزير الخارجية هو الإعلان الصريح عن استعداد تركيا لتولي ملف تدريب قوات الشرطة الفلسطينية، وهي خطوة ذات دلالة سياسية وأمنية كبرى.
فتدريب الكوادر الشرطية يعني المساهمة في بناء مؤسسات إنفاذ القانون الفلسطينية على أسس مهنية واحترافية، مما يساهم في ضبط الأمن الداخلي ومنع الفوضى في مرحلة ما بعد الحرب.
ويرى الجانب التركي أن وجود قوة شرطية فلسطينية قوية ومنظمة هو السبيل الوحيد لضمان سيادة القانون وحماية الممتلكات العامة والخاصة، وهو ما يقطع الطريق على أي محاولات للتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية لقطاع غزة بحجج أمنية واهية، مؤكداً أن الأمن الفلسطيني يجب أن يكون بأيدي الفلسطينيين أنفسهم وبدعم من أشقائهم.
حل الدولتين كأساس للسلام الشامل
وعلى الصعيد السياسي الكلي، أعاد وزير الخارجية التركي التأكيد على الثوابت الدبلوماسية لأنقرة، مشدداً على أن أسس السلام الحقيقي والدائم في غزة وفلسطين لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال حل الدولتين.
وأوضح أن هذا الحل هو الوحيد الكفيل بتحقيق مصلحة كل شعوب المنطقة دون استثناء، بما يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وترى الخارجية التركية أن أي محاولات للالتفاف على هذا المسار التاريخي والقانوني ستبوء بالفشل، ولن تؤدي إلا إلى المزيد من الصراعات التي تستنزف موارد المنطقة وتهدد السلم والأمن الدوليين بشكل مستمر.
إن الرؤية التركية لسلام المنطقة تنطلق من مبدأ "الجميع رابح"، حيث يساهم حل الدولتين في دمج كافة الأطراف في منظومة اقتصادية وأمنية مستقرة، تنهي عقوداً من الاحتلال والاضطهاد.
ودعا الوزير المجتمع الدولي إلى الكف عن اتباع سياسة المعايير المزدوجة والتحرك الجاد للاعتراف بالدولة الفلسطينية ودعم عضويتها الكاملة في الأمم المتحدة.
فالاستقرار في غزة، من منظور أنقرة، ليس شأناً محلياً بل هو مصلحة تركية وأوروبية وعالمية، ومن هنا تأتي التحركات الدبلوماسية التركية المكثفة في كافة المحافل الدولية للضغط باتجاه وقف دائم لإطلاق النار والانتقال إلى مرحلة الحل السياسي الشامل الذي ينهي جذور الصراع من أساسها.






