في تطور يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية وأمنية عميقة داخل سوريا، تسلّمت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، السبت، إدارة مطار القامشلي الدولي في محافظة الحسكة، في إطار استكمال تنفيذ بنود الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، بما يعكس تقدماً ملموساً في مسار إعادة توحيد مؤسسات الدولة على الأراضي السورية.
إعادة ضبط قطاع الطيران
وقام عدد من مديري الإدارات في الهيئة بجولة ميدانية داخل المطار برفقة العاملين فيه، حيث اطّلعوا على الواقع التشغيلي والفني والإداري، وناقشوا الخطط والآليات اللازمة لإعادة تشغيله في أقرب وقت ممكن، بما ينسجم مع المعايير الدولية للطيران المدني.
واعتبر رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السوري عمر الحصري أن تسلّم إدارة مطار القامشلي يمثل “خطوة مؤسسية مهمة ضمن مسار توحيد إدارة المطارات تحت مظلة الدولة”، مؤكداً أن الهدف هو ضمان تشغيلها وفق أعلى معايير السلامة والكفاءة الدولية، وهو ما يشير إلى رغبة دمشق في استعادة السيطرة الكاملة على البنية التحتية السيادية في سوريا.
وأشار الحصري أيضاً إلى أن أعمال التأهيل في مطار دير الزور تتواصل بوتيرة متسارعة وعلى مدار الساعة، في إطار خطة شاملة لإعادة الجاهزية التشغيلية للمطارات الحيوية في شرق سوريا، بما يعزز الترابط الداخلي ويعيد تنشيط الحركة الجوية المدنية.
أهمية استراتيجية لمطار القامشلي في شرق سوريا
قبل اندلاع الحرب في سوريا، كان مطار القامشلي يشغّل رحلات منتظمة إلى مطاري دمشق وحلب، إضافة إلى رحلات إلى مطار بيروت، ما جعله عقدة نقل أساسية لسكان شمال شرق البلاد. ولذلك فإن إعادة تشغيله تمثل تحولاً مفصلياً على صعيد الحركة المدنية والاقتصادية، وتخفيفاً لمعاناة المسافرين الذين اضطروا لسنوات إلى استخدام طرق برية طويلة وخطرة ومكلفة.
خلال سنوات الحرب، تحوّل المطار إلى منشأة ذات طابع عسكري، حيث تمركزت فيه القوات الروسية ونفذت منه طلعات جوية قبل نقل عملياتها إلى قاعدة حميميم في الساحل السوري. وفي الوقت نفسه، كانت قوات سوريا الديمقراطية تطوق المطار منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، ما جعله نقطة تماس حساسة بين أطراف متعددة.
وتنبع أهمية المطار أيضاً من كونه الوحيد في مناطق سيطرة “قسد”، وقد توقف عن تقديم الخدمات المدنية لنحو 15 عاماً، الأمر الذي عمّق عزلة المنطقة اقتصادياً واجتماعياً عن بقية الأراضي السورية.
انعكاسات الاتفاق مع “قسد” على وحدة سوريا
تأتي عملية التسليم في سياق اتفاق أوسع أعلنت عنه الحكومة السورية في يناير الماضي مع قوات سوريا الديمقراطية، يقضي بتسليم المناطق التي كانت خاضعة للإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا إلى حكومة دمشق، مع دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة الرسمية.
ويمثل هذا الاتفاق محاولة لإعادة دمج المناطق الخارجة سابقاً عن سيطرة الدولة ضمن المنظومة المركزية، بما يعزز وحدة الأراضي السورية ويحد من مظاهر الانقسام الإداري والعسكري التي تشكلت خلال سنوات النزاع.
وفي السياق ذاته، تسلّمت وزارة الدفاع السورية مؤخراً قاعدة الشدادي العسكرية في ريف الحسكة بعد تنسيق مع الجانب الأميركي، وذلك عقب انسحاب القوات الأميركية من قاعدة التنف جنوبي البلاد، ضمن ترتيبات توسطت فيها واشنطن لدمج قوات “قسد” في مؤسسات الدولة السورية.
مطارات الشرق… بوابة الاستقرار الاقتصادي والأمني
تسعى الحكومة السورية من خلال إعادة تشغيل مطاري القامشلي ودير الزور إلى استعادة شريان نقل حيوي يخدم السكان المحليين ويعيد تنشيط التجارة والسفر والاستثمارات في شرق سوريا، وهي منطقة غنية بالموارد الطبيعية وتعد ذات أهمية استراتيجية بالغة.
كما أن تشغيل المطارات المدنية يعكس تحسناً نسبياً في الوضع الأمني، ويفتح الباب أمام عودة النشاط الاقتصادي وتدفق المساعدات والاستثمارات، فضلاً عن تسهيل حركة المواطنين بعد سنوات من العزلة القسرية.
وفي المحصلة، فإن تسلّم إدارة مطار القامشلي لا يمثل مجرد خطوة تشغيلية، بل يحمل دلالات سياسية عميقة تتعلق بإعادة بسط سيادة الدولة واستعادة أدوات التحكم في الجغرافيا والاقتصاد، وهو ما قد يشكل مقدمة لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب المشهد في شرق سوريا على المستويين الداخلي والإقليمي.










