4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

حرب الطاقة تشتعل.. المجر تلوح بورقة الكهرباء للضغط على كييف لاستئناف تدفق النفط

وأكد أوربان في تصريحات نقلتها وكالة أنباء "تاس" الروسية أن جزءاً كبيراً وحيوياً من احتياجات أوكرانيا من الطاقة الكهربائية يتم تأمينه حالياً

بقلم: محمد خميس
٢١ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
9 مشاهدة
فيكتور أوربان

فيكتور أوربان

أطلق رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، اليوم السبت، تحذيراً شديد اللهجة ومباشراً للحكومة الأوكرانية، ملوحاً بوقف إمدادات الكهرباء الحيوية التي تصل إلى كييف عبر الحدود المجرية، وذلك في حال عدم تراجع السلطات الأوكرانية عن قرارها بوقف عبور النفط الروسي الموجه للمجر وسلوفاكيا عبر خط أنابيب "دروجبا" الاستراتيجي.

 وأكد أوربان في تصريحات نقلتها وكالة أنباء "تاس" الروسية أن جزءاً كبيراً وحيوياً من احتياجات أوكرانيا من الطاقة الكهربائية يتم تأمينه حالياً من خلال الشبكة المجرية، مشدداً على أن استمرار التعنت الأوكراني في ملف النفط سيؤدي حتماً إلى اتخاذ إجراءات عقابية مضادة قد تشل قطاع الطاقة الأوكراني الذي يعاني أصلاً من ضغوطات هائلة نتيجة النزاع المستمر مع روسيا، مما يفتح فصلاً جديداً من فصول الصراع الاقتصادي في قلب القارة الأوروبية.

سلاح الطاقة والموقف المجري السلوفاكي

أوضح فيكتور أوربان أن المجر لا تقف وحيدة في هذا الموقف، بل إن الجانب السلوفاكي قد أثار هذه المسألة بجدية خلال الساعات الماضية، مشيراً إلى وجود تنسيق عالي المستوى بين بودابست وبراتيسلافا للرد على الخطوات الأوكرانية التي استهدفت أمن الطاقة في البلدين، وقال أوربان صراحة: "إذا لزم الأمر، فسنتخذ خطوة قطع الكهرباء، لأننا لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي أمام تهديد إمداداتنا النفطية"، واصفاً الإجراءات الأوكرانية بأنها "أعمال عدائية" تهدف إلى الضغط السياسي على المجر بسبب مواقفها المتمايزة داخل الاتحاد الأوروبي.

وأضاف أن تعطيل تدفقات النفط عبر خط "دروجبا" يمثل انتهاكاً للاتفاقيات القائمة ويضع الاقتصاد المجري في خطر، وهو ما لن تسمح به حكومته تحت أي ظرف من الظروف، مؤكداً أن المجر تملك أوراق ضغط قوية لم تستخدمها بالكامل بعد.

وتأتي هذه التطورات في وقت حساس للغاية، حيث تعتمد أوكرانيا بشكل متزايد على واردات الطاقة من جيرانها الأوروبيين لتعويض النقص الناتج عن تضرر بنيتها التحتية.

 ويمثل التهديد المجري بقطع الكهرباء ضربة قاصمة لخطط الاستقرار الشتوي في كييف، خصوصاً وأن المجر تعد من كبار المصدرين للكهرباء إلى الداخل الأوكراني عبر خطوط الربط المشترك، ويرى مراقبون أن أوربان يستخدم هذه الورقة لانتزاع تنازلات فورية من حكومة زيلينسكي، معتبراً أن أمن المجر القومي المرتبط بالنفط الروسي الرخيص يسبق أي التزامات أخرى تجاه الجانب الأوكراني، وهو ما يعكس الفجوة العميقة بين بودابست وكييف التي ازدادت اتساعاً منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022.

عرقلة المساعدات ووقف إمدادات الديزل

لم تكتفِ المجر بالتهديد بقطع الكهرباء، بل كشف رئيس الوزراء فيكتور أوربان عن إجراءات عقابية بدأت بلاده بتنفيذها بالفعل رداً على السلوك الأوكراني.

حيث أعلن رسمياً أن المجر أوقفت إمداد أوكرانيا بوقود الديزل الذي كان يتدفق عبر الحدود، وهي خطوة ذات أبعاد عسكرية ولوجستية خطيرة نظراً لاعتماد الآليات الأوكرانية على هذا النوع من الوقود، والأكثر تأثيراً هو تأكيد أوربان أن المجر قامت بعرقلة ومنع تمرير قرض عسكري ضخم من الاتحاد الأوروبي لصالح أوكرانيا تبلغ قيمته الإجمالية نحو 90 مليار يورو، مستخدماً حق النقض "الفيتو" داخل أروقة المفوضية الأوروبية، مما يضع جهود التسليح الأوكرانية في مأزق مالي وتشريعي كبير أمام بقية الأعضاء في التكتل الأوروبي الذين يدفعون نحو استمرار الدعم العسكري لكييف.

وشدد أوربان على أن المجر لن تسمح باستخدام أموال دافعي الضرائب الأوروبيين لدعم دولة تقوم بالإضرار بالمصالح الاقتصادية الأساسية لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي، معتبراً أن الـ 90 مليار يورو لن تمر إلا إذا تم التوصل إلى حل عادل وشامل يضمن انسيابية تدفق النفط الروسي دون عوائق سياسية، هذا الموقف المتشدد يضع المجر في مواجهة مباشرة مع القيادة في بروكسل ومع واشنطن، إلا أن أوربان يبدو مصمماً على حماية مصالح بلاده الحيوية أولاً، مؤكداً أن "سياسة الابتزاز" التي تمارسها أوكرانيا في ملف النفط ستقابل بـ "سياسة حزم" مجرية في ملفات الكهرباء والتمويل والوقود، وهو ما ينذر بتصعيد دبلوماسي واقتصادي قد يعيد رسم تحالفات الطاقة في منطقة شرق ووسط أوروبا خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

مستقبل الصراع على خط أنابيب دروجبا

يبقى خط أنابيب "دروجبا" (الصداقة) هو محور الصراع الدائر حالياً، حيث يمثل أحد أطول وأقدم خطوط أنابيب النفط في العالم، وهو الشريان الرئيسي الذي يغذي المصافي المجرية والسلوفاكية بالخام الروسي.

ويرى الخبراء أن إصرار أوكرانيا على وقف العبور يهدف إلى حرمان روسيا من عائدات النفط والضغط على المجر لتغيير موقفها السياسي، لكن الرد المجري العنيف يثبت أن بودابست مستعدة للذهاب إلى أبعد مدى في حماية أمن طاقتها، فالتلويح بقطع الكهرباء ومنع القروض العسكرية ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو استراتيجية دفاعية تهدف إلى إشعار كييف بالثمن الباهظ الذي ستدفعه نتيجة استهداف المصالح المجرية، ومع دخول سلوفاكيا على خط الأزمة، يصبح الموقف الأوكراني أكثر حرجاً في مواجهة جيران يمتلكون مفاتيح الإضاءة والتمويل.

ويترقب المجتمع الدولي رد الفعل الأوكراني على هذه التهديدات، فهل ستتراجع كييف وتستأنف ضخ النفط لتجنب ظلام دامس وتوقف المساعدات المالية، أم أنها ستستمر في التصعيد معتمدة على دعم حلفائها الغربيين للضغط على أوربان؟ الحقيقة القائمة الآن هي أن فيكتور أوربان نجح في تحويل الأزمة من مجرد خلاف تقني حول مرور النفط إلى مواجهة وجودية تتعلق بقدرة أوكرانيا على الصمود اقتصادياً وعسكرياً، مما يجعل ملف الطاقة هو الورقة الأقوى في صراعات النفوذ الحالية داخل القارة العجوز، بانتظار ما ستسفر عنه المحادثات الدبلوماسية خلف الكواليس لتجنب كارثة طاقة شاملة قد تطال جميع الأطراف.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال