تحتفل المملكة العربية السعودية اليوم 22 فبراير بيوم التأسيس، إحياءً لذكرى قيام الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود، في مناسبة تتجاوز طابعها الاحتفالي لتُجسّد البعد الرمزي للتاريخ في تشكيل الهوية السياسية الحديثة للدولة. فهذا اليوم يعكس الفخر بالجذور العميقة والإرث الممتد لثلاثة قرون، ويُبرز العلاقة التاريخية المتينة بين القيادة والشعب منذ نشأة الدولة الأولى وعاصمتها الدرعية.
وقد قامت تلك الدولة على أسس السيادة الكاملة، والإسلام ديناً، والقرآن والسنة دستوراً، وهو الإطار القيمي الذي ما يزال حاضراً في بنية الدولة حتى اليوم.
ويعتز الشعب السعودي بهذا الإرث الذي أرساه الإمام محمد بن سعود، والذي أسهم في تشكيل الملامح الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية لشبه الجزيرة العربية، ليصبح التاريخ هنا ليس مجرد سرد للماضي بل ركيزة رمزية تُشرعن الحاضر وتوجّه المستقبل.
من الدولتين الأولى والثانية إلى توحيد السعودية الحديثة
امتد المسار التاريخي للدولة السعودية من الدولة الأولى، مروراً بالدولة الثانية التي أسسها الإمام تركي بن عبدالله، وصولاً إلى توحيد البلاد على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، وهو المسار الذي شكّل الإطار التاريخي للهوية السياسية المعاصرة. فقد تحولت السعودية عبر هذا الامتداد الزمني إلى دولة مؤثرة عالمياً سياسياً واقتصادياً، مع توقعات بمستقبل أكثر حضوراً في مختلف المجالات.
وأسهم الملوك المتعاقبون في ترسيخ هذا البناء التاريخي، وصولاً إلى مرحلة التحول الكبرى في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده محمد بن سلمان، حيث بلغ مشروع التحديث ذروته ضمن رؤية استراتيجية شاملة.
وقد صدر الأمر الملكي باعتماد 22 فبراير يوماً للتأسيس، في إشارة واضحة إلى أن الدولة الحديثة تستمد شرعيتها الرمزية من عمقها التاريخي الممتد إلى عام 1139هـ / 1727م، عندما تأسست الدولة السعودية الأولى.
التاريخ والإرث كأداة لبناء الوحدة الوطنية
تمثل ذكرى التأسيس فرصة للتأمل في ثلاثة قرون من التجربة السياسية للدولة السعودية، حيث يُعاد استحضار إرثها وتأثيرها في شبه الجزيرة العربية والنهج الذي قامت عليه. فمنذ نشأتها، ركزت الدولة على إرساء الأمن والاستقرار وخدمة الحرمين الشريفين وتحسين حياة المواطنين رغم التحديات، وكان التماسك المجتمعي عاملاً حاسماً في استمرارها منذ القرن الثامن عشر.
وتستضيف مدن المملكة بهذه المناسبة فعاليات ثقافية وفنية واسعة تعكس الذاكرة الجماعية الوطنية، وتُبرز صمود الدولة عبر فترات الرخاء والأزمات، وتؤكد الحفاظ على الهوية العربية الأصيلة. كما تعزز هذه الأنشطة مفهوم الوحدة الوطنية بوصفه امتداداً تاريخياً للعلاقة الراسخة بين الشعب والقيادة، وهي علاقة ما تزال تتجدد في ظل رؤية 2030.
التحول الحديث.. استمرارية التاريخ بصيغة مستقبلية
تشهد السعودية اليوم تحولاً استثنائياً يُقدَّم بوصفه امتداداً طبيعياً لمسار تاريخي طويل. فمنذ إطلاق رؤية 2030، تسير المملكة نحو نموذج اقتصادي واجتماعي أكثر تنوعاً وانفتاحاً، مع التزام واضح بالإصلاح وتوسيع الفرص.
وشملت التحولات تمكين المرأة، وعودة دور السينما، والانفتاح السياحي، واستضافة فعاليات فنية عالمية لفنانين مثل David Guetta وMarshmello، إضافة إلى برامج ثقافية تستضيف مبدعين وخبراء من مختلف أنحاء العالم. ومع تنامي خبرات المجتمع في الأعمال والعلوم والفنون، تتشكل ملامح دولة متعددة القدرات تعتمد على الإبداع والمعرفة.
وقد تحولت السعودية من بلد يبحث مواطنوه عن الترفيه في الخارج إلى وجهة تستقطب الزوار والاستثمارات، مع ازدهار ملحوظ في القدرات البشرية وريادة الأعمال.
خدمة الحرمين الشريفين كركيزة شرعية ورمزية
يمثل الاهتمام بالحرمين الشريفين أحد أهم عناصر الهوية السياسية والدينية للدولة السعودية منذ توحيدها. فقد أولت القيادة اهتماماً كبيراً بتوسعة المسجد الحرام والمسجد النبوي وتطوير خدمات الحج والعمرة، مع توظيف التقنيات الحديثة لخدمة ضيوف الرحمن.
بدأت التوسعات منذ عهد الملك عبدالعزيز، وتواصلت عبر الملوك المتعاقبين، وصولاً إلى المشاريع العملاقة الحالية في عهد الملك سلمان، التي رفعت الطاقة الاستيعابية إلى ملايين المصلين. كما تم تطوير منظومات النقل والخدمات، مثل برنامج ضيوف الرحمن، وتوثيق تاريخ الحرمين عبر مؤسسات متخصصة.

تحولات اقتصادية وتنموية شاملة
اقتصادياً، لا يزال النفط يشكل العمود الفقري للاقتصاد السعودي، حيث تمتلك المملكة نحو خُمس الاحتياطيات العالمية، إضافة إلى موارد معدنية متنوعة يجري استثمارها لتنويع الاقتصاد. وقد تبنت الحكومة سياسات للاستكشاف والإنتاج في قطاعات التعدين والموارد غير النفطية.
وفي مجال النقل والاتصالات، تتمتع المملكة بشبكة طرق وموانئ ومطارات متطورة، إلى جانب بنية تحتية رقمية واسعة تشمل الاتصالات والإنترنت في معظم المناطق.
تطور الصحة والتعليم وبناء الإنسان
حظي القطاع الصحي باهتمام كبير، مع توسع المستشفيات والمراكز الطبية وتوفير الخدمات حتى في المناطق النائية، إضافة إلى نمو دور القطاع الخاص. وتقدم المؤسسات الصحية السعودية علاجات متقدمة مثل جراحات القلب وزراعة الأعضاء وعلاج السرطان، وتضم منشآت طبية تعد من الأكبر في المنطقة.
أما التعليم، فيشمل عشرات الآلاف من المدارس وعشرات الجامعات الحكومية والأهلية، ويخدم ملايين الطلبة، مع صعود الجامعات السعودية في التصنيفات العالمية، ما يعكس الاستثمار في رأس المال البشري باعتباره أساس القوة المستقبلية للدولة.
رؤية المستقبل السعودي
يُنظر إلى المستقبل في السعودية باعتباره امتداداً للتاريخ لا قطيعة معه. فبرامج رؤية 2030 تستهدف تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز قطاعات السياحة والتكنولوجيا والترفيه، إضافة إلى الاستثمار في مجالات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة.
وتسعى المملكة إلى جذب استثمارات أجنبية مباشرة تصل إلى 100 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030، مع زيادة الإيرادات غير النفطية وبناء اقتصاد أكثر مرونة. كما تستثمر في المبادرات الثقافية لتعزيز صورتها العالمية، وفي مشاريع مستقبلية كبرى مثل المدن الذكية.
محطات تاريخية شكلت هوية السعودية
تشمل أبرز محطات التاريخ السعودي:
1727م: تأسيس الدولة السعودية الأولى في الدرعية
1824م: قيام الدولة السعودية الثانية في الرياض
1932م: إعلان توحيد المملكة العربية السعودية
1953م: وفاة الملك عبدالعزيز واستمرار مسيرته
2015م: تولي الملك سلمان الحكم ومواصلة مشروع التحديث
المستقبل: مبادرات كبرى تهدف لتحويل السعودية إلى مركز عالمي
وهكذا يظهر أن الاحتفاء بيوم التأسيس ليس مجرد مناسبة وطنية، بل عملية رمزية تستحضر الماضي لتأكيد شرعية الحاضر وصياغة مشروع المستقبل، حيث يشكّل التاريخ في السعودية أحد أهم مكونات الهوية السياسية الحديثة وأداة مركزية في بناء الدولة واستمراريتها.









