ورد سؤال إلى دار الإفتاء المصرية حول رجلٍ فرضت عليه طبيعة عمله أن يباشر مهامه من بعد صلاة العشاء حتى وقت الفجر في أحد أيام شهر رمضان المبارك، فبيت نية الصيام ليلًا، ثم لما اشتد عليه التعب نام بعد صلاة الفجر ولم يستيقظ إلا قبيل أذان المغرب، وقد حرص خلال ذلك على أداء صلاتي الظهر والعصر قبل غروب الشمس، ثم أفطر عند تحقق الغروب. وتساءل: هل يؤثر نومه أغلب النهار في صحة صيامه شرعًا؟
هذا السؤال يعكس إشكالية واقعية يعيشها كثير من العاملين بنظام الورديات الليلية، حيث يتداخل الواجب المهني مع العبادة، ويصبح تنظيم الوقت تحديًا حقيقيًا، خصوصًا في شهر يقوم جوهره على الصبر ومجاهدة النفس، لا على مجرد الامتناع عن الطعام والشراب.
مكانة الصيام
من المقرر شرعًا أن صوم رمضان ركن من أركان الإسلام، فرضه الله سبحانه وتعالى على كل مسلم مكلف، صحيح، مقيم، مستطيع، خالٍ من الموانع. وقد جاء النص القرآني قاطعًا في فرضيته بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، في دلالة واضحة على أن الصيام عبادة ممتدة في تاريخ الرسالات، ومقصدها الأسمى تحقيق التقوى.
ولعِظَم هذه العبادة، اختص الله سبحانه نفسه بتقدير ثوابها، كما في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يقول الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي»، وهو تعبير عن منزلة استثنائية ترفع الصوم فوق حسابات البشر المعتادة في تقدير الأجور.
فضائل شهر رمضان
وقد حفلت السنة النبوية ببيان ما في رمضان من فضل عظيم، وثواب جزيل، وأجر كبير، وعتق من النيران، بما يحفّز المسلم على اغتنام أيامه ولياليه. ففي الحديث المتفق عليه: «إذا دخل شهر رمضان فُتحت أبواب السماء، وغُلقت أبواب جهنم، وسُلسلت الشياطين»، وهو تصوير بليغ لأجواء روحانية استثنائية تتهيأ فيها النفوس للطاعة.
كما قال صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه الإمام مسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، بما يبرز وظيفة رمضان في تجديد الصلة بالله، ومحو آثار التقصير. وفي خطبته في آخر يوم من شعبان، كما روى سلمان رضي الله عنه وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" وابن خزيمة والبيهقي، وصف النبي الشهر بأنه عظيم مبارك، فيه ليلة خير من ألف شهر، وجعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعًا، ومن تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه.
النوم والصوم
انطلاقًا من هذه الفضائل، أكدت دار الإفتاء المصرية أن الأصل في المسلم أن يغتنم كل لحظة في رمضان، وألا يُضيّع نهاره في النوم متى كان قادرًا على العمل والعبادة، لأن الشهر موسم للطاعة لا يُعوَّض. غير أن الفتوى فرّقت بوضوح بين الكمال المستحب، وصحة العبادة من حيث الحكم الشرعي.
فالنوم في ذاته ليس من مبطلات الصوم، ولا يؤثر في صحته ما دام الصائم قد نوى الصيام من الليل، وهي نية واجبة في صوم الفريضة. وقد تواردت نصوص فقهاء المذاهب الأربعة على هذا المعنى، بل نقل بعضهم الإجماع على أن من نوى الصوم ثم نام جميع النهار، وأفاق لحظة واحدة، صح صومه.
فالإمام أبو بكر الجصاص الحنفي ذكر في "شرح مختصر الطحاوي" أن من نوى الصوم ليلًا ثم أغمي عليه قبل الفجر واستمر كذلك، أجزأه صومه، لأن العبرة بصحة النية لا باستمرار اليقظة. والشيخ عليش المالكي نص في "منح الجليل" على أنه لا قضاء على من نام الشهر كله إذا بيّت النية أول ليلة. والإمام النووي الشافعي قرر في "المجموع" صحة صوم من نام جميع النهار إذا سبقت النية، وذكر أن الجمهور على ذلك. كما بيّن الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" أن النوم لا يؤثر في الصوم سواء وجد في جميع النهار أو بعضه.
بين الصحة والكمال
يتضح من مجموع هذه الأقوال أن صحة الصوم مسألة فقهية منضبطة بشروط وأركان، أهمها النية والإمساك عن المفطرات، أما مقدار الاستيقاظ أو النوم فلا يدخل في مبطلات الصيام. غير أن الفتوى لم تغفل جانب الكمال والفضل، فنبّهت إلى أن الأولى بالمسلم أن يسعى إلى الجمع بين صحة العبادة وكمالها، باغتنام أوقات الشهر في الذكر والقرآن وسائر القربات.
وفي ضوء ذلك، فإن صوم الرجل المذكور صحيح شرعًا، ولا إثم عليه في نومه أغلب النهار بسبب طبيعة عمله الليلي، ما دام قد نوى الصيام من الليل، وأمسك عن المفطرات، وحافظ على الصلوات المفروضة في أوقاتها قدر استطاعته. فالشريعة راعت أحوال الناس وأعمالهم، ولم تجعل من اختلاف أنماط المعيشة سببًا لإبطال العبادات، بل أبقت الباب مفتوحًا أمام من أراد الطاعة، ولو اختلفت ظروفه، ما دام ملتزمًا بحدود الله وأحكامه.










