حذر سائد حسونه، خبير الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير، من خطورة "العزلة الرقمية" التي يعيشها طلاب قطاع غزة، مؤكداً أنها لم تعد مجرد أزمة اتصال عابرة أو انقطاع تقني مؤقت، بل تحولت إلى تهديد بنيوي وجودي يمس مستقبل جيل كامل في عالم يتحرك اليوم بسرعة خوارزمية فائقة.
وأوضح حسونه في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن الفرص التعليمية والمهنية المعاصرة باتت مرتبطة بشكل عضوي بالقدرة على الوصول إلى المنصات الرقمية العالمية وأدوات الذكاء الاصطناعي، مما يجعل انقطاع الإنترنت المتكرر في غزة بمثابة حكم بالإقصاء من سباق الزمن.
إن الثورة التكنولوجية لا تنتظر أحداً، وبينما تعتمد الجامعات العالمية على المختبرات السحابية والمحاكاة الرقمية، يجد الطالب الغزي نفسه محاصراً بتحديات بدائية تتمثل في البحث عن إشارة اتصال أو كهرباء لتحميل محاضرة بسيطة، مما يراكم فجوة معرفية هائلة بمرور الوقت، خصوصاً في التخصصات التقنية التي تتطور كل شهر بشكل مذهل.
خسائر البنية الرقمية.. دمار يتجاوز المباني والمنشآت المادية
أشار سائد حسونه في حديثه لـ "180 تحقيقات" إلى أن الخسائر التي تعرض لها قطاع التعليم العالي في غزة جراء الحرب الأخيرة لم تكن معنوية أو عمرانية فقط، بل هي "خسائر مركبة" استهدفت الذاكرة الرقمية للمؤسسات التعليمية.
فقد فقدت الجامعات خوادمها المركزية، وشبكاتها الداخلية، ومراكز البيانات ، بالإضافة إلى ضياع أرشيفات رقمية وأبحاث علمية لا تقدر بثمن نتيجة تدمير البنية التحتية الإلكترونية، هذا التعطل الطويل يعني توقف مسارات أكاديمية كاملة، وتأجيل تخرج آلاف الطلبة، وفقدان فرص المنح والتعاون الدولي، إن الخسارة الحقيقية هنا لا تقاس بالأرقام المالية المباشرة، بل بسنوات من التراكم المؤسسي والمعرفي الذي تم محوه، مما يجعل عملية إعادة البناء الرقمي أكثر تعقيداً وصعوبة من إعادة بناء الجدران والأسمنت، ويتطلب استراتيجيات دولية عاجلة لاستعادة تلك البيانات وتوفير بيئات استضافة سحابية آمنة خارج النطاق الجغرافي المستهدف.
فجوة المهارات.. أثر الحصار الرقمي على تخصصات الذكاء الاصطناعي
أكد خبير الإعلام الرقمي أن الحصار طويل الأمد عمّق الفجوة التكنولوجية بشكل واضح، خاصة في المجالات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. هذه التخصصات لا تعتمد على الكتب النظرية، بل تتطلب وصولاً مستقراً لمنصات الحوسبة السحابية وبيئات الاختبار الضخمة. وعندما يُحرم الباحث الفلسطيني من القدرة على تشغيل أدوات متقدمة أو التعامل مع البيانات الضخمة بسبب ضعف الاتصال، فإن مهاراته تتجمد وتتحول الفجوة من نقص في الأجهزة إلى فجوة مهارية تجعل الخريج الغزي غير قادر على المنافسة في سوق العمل الحر عبر الإنترنت أو في الشركات الدولية، إن غياب الاستمرارية هو العائق الأكبر، حيث يحتاج الابتكار إلى بيئة مستقرة تسمح بالتجربة والخطأ والتطوير المستمر، وهو ما يفتقده المبتكرون في غزة الذين يضطرون لبذل جهد مضاعف فقط للحفاظ على الحد الأدنى من التواصل مع العالم الخارجي.
دور المجتمع الدولي.. المسؤولية الأخلاقية للمؤسسات التكنولوجية الكبرى
شدد حسونه في تصريحاته لـ "180 تحقيقات" على أن الحق في الوصول الآمن والمستدام إلى الإنترنت لم يعد مسألة رفاهية، بل هو حق أساسي أصيل مرتبط بالحق في التعليم والعمل. ودعا المجتمع الدولي والمؤسسات التكنولوجية الكبرى إلى التدخل عبر توفير حلول اتصال بديلة لحالات الطوارئ، ومنح وصول مجاني أو مخفض للمنصات التعليمية العالمية والأدوات السحابية المتقدمة لطلاب المناطق المتضررة.
كما اقترح إطلاق برامج خاصة تضمن استمرارية الوصول إلى أدوات التطوير البرمجي والذكاء الاصطناعي رغم الظروف الاستثنائية. إن إعادة وصل غزة رقمياً بالعالم ليست مجرد خطوة تضامنية أو إغاثية، بل هي ضرورة لتحقيق "العدالة المعرفية" واستثمار حقيقي في مستقبل إقليمي أكثر استقراراً، حيث يمنع هذا الوصل تحول جيل كامل إلى فئة مهمشة رقمياً ومعرفياً.
بارقة أمل.. صمود المجتمعات البرمجية والمبادرات المحلية في غزة
ورغم قتامة المشهد، لم يغفل سائد حسونه الإشادة بالمبادرات المحلية التي وصفها بـ "بارقة الأمل الحقيقية". فقد ظهرت في غزة مجتمعات برمجية صغيرة ومساحات عمل مشتركة تعتمد على موارد متواضعة جداً، ومجموعات شبابية استثمرت في التعلم الذاتي عبر الموارد المفتوحة. هؤلاء الشباب نجحوا في بناء مشاريع رقمية والعمل عن بُعد رغم كل المعيقات، مما يعكس قدرة استثنائية على التكيف والصمود المعرفي.
واختتم حسونه تصريحاته بالتأكيد على أن الأمل الحقيقي يكمن في دمج هذا الصمود المحلي مع دعم دولي منهجي؛ فعندما تتوفر بيئة اتصال مستقرة، يمكن تحويل هذه التجربة القاسية إلى نموذج تعليمي رقمي مرن ومبتكر. إن قضية غزة الرقمية هي قضية عدالة في توزيع القوة، فحرمان شعب من الإنترنت يعني حرمانه من حقه في المشاركة في صياغة المستقبل الإنساني الجديد.








