دخلت الأزمة في السودان، منعطفا هو الأكثر تعقيدا منذ اندلاع الصراع، حيث تحولت ساحات العلم في جامعة كردفان إلى أهداف عسكرية للمسيّرات، بينما أغلقت تشاد حدودها بوجه الهاربين من الجحيم.
هذا التصعيد الميداني يتزامن مع خطابات سياسية تحمل في طياتها "لغة الاستسلام" تحت مسمى العفو، مما يشير إلى أن الدولة السودانية تقترب من مرحلة "الحسم الصفري" بدلاً من الحل التفاوضي.
فإغلاق تشاد لحدودها ليس مجرد إجراء أمني، بل هو خنق لآخر رئة كانت تتنفس منها مناطق غرب السودان، مما يضع ملايين النازحين في "مصيدة" جغرافية لا مخرج منها.
ووفقاً لتقارير "راديو تمازج" ووكالة "شينخوا"، فإن قرار نجامينا بإغلاق الحدود لأجل غير مسمى جاء رداً على توغل مجموعات مسلحة سودانية واعتداءات طالت مخافر حدودية تشادية في منطقة "تينة".
هذا التطور يعكس انهيار نظرية "الجوار الآمن" ويؤكد أن الحريق السوداني بدأ يتجاوز جدران البيت الداخلي ليهدد الاستقرار الإقليمي في العمق الأفريقي. إن استخدام وزارة الخارجية السودانية لمصطلح "المصلحة العليا" في تبرير تحركاتها العسكرية والسياسية، يشير بوضوح إلى أن السلطة في بورتسودان باتت ترى في القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي على الجيران المسار الوحيد لانتزاع السيادة المفقودة.
وهم العفو في زمن المسيّرات
في الوقت الذي كانت فيه طائرات مسيّرة (تنسبها تقارير "الأمم المتحدة" لقوات الدعم السريع) تقصف منشآت جامعة كردفان بمدينة الأبيض، خرج الفريق أول عبد الفتاح البرهان بخطاب من الكلية البحرية بأم درمان، واعدا بالعفو عمن يسلم سلاحه. هذا التناقض الصارخ بين "لغة المدافع" و"وعود التوبة" يكشف عن غياب كامل لإرادة التسوية السياسية الحقيقية؛ فالعفو المعروض ليس تفاوضاً بين أنداد، بل هو دعوة للاستسلام غير المشروط. وبحسب "هيئة محامي الطوارئ"، فإن استهداف المؤسسات التعليمية مثل جامعة كردفان يمثل جريمة حرب تهدف إلى تدمير ما تبقى من بنية تحتية مدنية، مما يجعل الحديث عن "بناء الوطن" و"العودة الطوعية" مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي.
التحليل الميداني يشير إلى أن الجيش السوداني، مدعوماً بموقف "المصلحة العليا" التي تتبناها الخارجية، يسعى لاستغلال التقدم العسكري الأخير لفرض شروطه، رافضاً أي عملية سياسية تشمل "الدعم السريع" كطرف مكافئ. وبحسب تقارير صحفية، فإن البرهان يراهن الآن على "استراتيجية النفس الطويل" والتحالفات الإقليمية الجديدة، خاصة مع عودة إدارة ترامب في أمريكا التي تميل نحو "الردع الخشن"، وهو ما قد يشجع الخرطوم على المضي قدماً في خيار الحسم العسكري تحت غطاء محاربة التمرد، مما يقتل أي فرصة لتسوية سياسية شاملة في المدى القريب.
كارثة النزوح والشرخ الإقليمي
يمثل إغلاق الحدود التشادية ضربة قاضية لجهود الإغاثة الإنسانية، حيث يُعد معبر "أدري" شريان الحياة الوحيد لإقليم دارفور الذي يعيش مجاعة محققة.
ووفقا لتقرير صادر عن "مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)"، فإن منع حركة الأفراد والبضائع سيؤدي إلى تضخم كتلة النازحين داخل السودان، مما يحول المناطق الحدودية إلى "مخيمات موت" مفتوحة تفتقر لأدنى مقومات الحياة. هذا الضغط الإنساني سيفجر الأوضاع أمنياً، إذ ستتحول هذه الكتلة البشرية اليائسة إلى خزان بشري للتجنيد القسري من قبل المليشيات المتصارعة، مما يغذي دائرة العنف بدلاً من إخمادها.
على المستوى الإقليمي، يؤدي إغلاق الحدود وتوتر العلاقات مع تشاد إلى تعميق الانقسام في القارة الأفريقية؛ فالسودان بات يرى في جيرانه الغربيين منصات لدعم التمرد، بينما يرى الجيران في السودان مصدراً لعدوى "الانقلابات" والفوضى العابرة للحدود. إن هذا الشرخ يضعف دور "الاتحاد الأفريقي" و"إيغاد" في الوساطة، ويفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الأجنبية التي تجد في "الفراغ الأمني" على الحدود فرصة لتصفية حسابات جيوسياسية.
وبناءً على ذلك، فإن الأمن الإقليمي لمنطقة الساحل والقرن الأفريقي بات رهينة لتطورات الجبهة في الخرطوم، وهو ما ينذر بتحول النزاع السوداني إلى "حرب أفريقية مصغرة" تتداخل فيها المصالح الدولية بشكل فج.







