أعلنت حركة المقاومة الإسلامية حماس رفضها الشديد للخطوة الأمريكية القاضية بتقديم خدمات قنصلية داخل مستوطنة «إفرات» المقامة ضمن تجمع «غوش عتصيون» جنوب الضفة الغربية المحتلة، معتبرة أن ما جرى يشكّل سابقة سياسية بالغة الخطورة، تتجاوز الطابع الإداري أو القنصلي، لتندرج في سياق الاعتراف العملي بشرعية الاستيطان الإسرائيلي على أراضي الضفة. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتصاعد فيه مشاريع التوسع الاستيطاني بوتيرة غير مسبوقة منذ أكتوبر 2023، بالتوازي مع حرب إبادة متواصلة على قطاع غزة، ما يضع القرار الأمريكي في إطار أوسع من إعادة رسم الوقائع الميدانية لصالح الاحتلال.
قنصلية منافية لاتفاقيات جنيف
وتقع مستوطنة «إفرات» على أراضٍ فلسطينية صودرت خلال العقود الماضية، وتعد جزءًا من الكتل الاستيطانية التي تسعى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى تثبيتها ضمن أي تسوية مستقبلية. وبحسب تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية، فإن الاستيطان في الضفة الغربية يُعد انتهاكًا صريحًا لاتفاقيات جنيف الرابعة، التي تحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة. ورغم هذا الإجماع القانوني، فإن الخطوة الأمريكية الأخيرة تمنح، من وجهة نظر حماس، غطاءً سياسياً غير مباشر لمشروع الضم الزاحف.
تناقض الموقف الأمريكي
حماس رأت في القرار الأمريكي تجسيدًا لتناقض صارخ في خطاب واشنطن، التي تعلن رسميًا رفضها لضم الضفة الغربية، لكنها في المقابل تتخذ إجراءات ميدانية تعزز واقع الضم وتُرسّخ السيادة الإسرائيلية الفعلية على الأرض المحتلة. فتقديم خدمات رسمية داخل مستوطنة، وفق البيان، ليس مجرد إجراء إداري، بل اعتراف ضمني ببنية السيطرة الإسرائيلية وشرعنتها عمليًا، الأمر الذي يتعارض مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تعتبر الضفة الغربية أرضًا محتلة.
وتشير الحركة إلى أن هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الأوسع، حيث تواصل أمريكا تقديم دعم عسكري وسياسي مفتوح للاحتلال منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، وهو دعم انعكس، بحسب تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية، في صفقات تسليح عاجلة، وحماية دبلوماسية متكررة داخل مجلس الأمن. ومن هذا المنظور، ترى حماس أن القرار القنصلي يشكل حلقة جديدة في سلسلة إجراءات أمريكية تكرّس الهيمنة الإسرائيلية وتُضعف فرص أي مسار سياسي قائم على إنهاء الاحتلال.
وقائع على الأرض
التحذير الذي أطلقته الحركة ركّز على تداعيات هذه الخطوة في ظل مناخ سياسي إسرائيلي يدفع علنًا نحو توسيع السيطرة على الضفة الغربية. فقد صدرت خلال الأشهر الأخيرة تصريحات من وزراء في حكومة الاحتلال تدعو إلى فرض السيادة الكاملة على المنطقة «ج»، وتسريع البناء الاستيطاني، وهو ما وثقته صحف عبرية عدة، بينها «هآرتس»، التي تحدثت عن مخططات لتوسيع الكتل الاستيطانية الكبرى.
في هذا السياق، ترى حماس أن أي إجراء دولي يُتخذ داخل المستوطنات، مهما كان طابعه، يُسهم في تطبيع وجودها وتحويلها من كيان غير شرعي بموجب القانون الدولي إلى أمر واقع معترف به عمليًا. وهو ما تعتبره الحركة تمهيدًا سياسيًا لتصفية الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، عبر فرض حلول مجتزأة تتجاهل حق تقرير المصير، وتتعامل مع الضفة باعتبارها ساحة خاضعة للسيادة الإسرائيلية لا أرضًا محتلة.
دعوة لتحرك دولي
البيان دعا إلى موقف دولي ضاغط يضع حدًا لما وصفه بـ«التغول» الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا، محذرًا من أن الصمت على مثل هذه الإجراءات سيشجع الاحتلال على المضي قدمًا في مشاريع الضم، ويُضعف ما تبقى من منظومة القانون الدولي. فبحسب الرؤية التي تطرحها الحركة، فإن الصراع لم يعد يقتصر على توسع استيطاني تدريجي، بل بات يتعلق بإعادة تعريف الوضع القانوني والسياسي للضفة الغربية عبر خطوات متراكمة تُفرض على الأرض بدعم قوى كبرى.
وفي ظل استمرار المجازر بحق المدنيين في غزة منذ أكتوبر 2023، والتصعيد المتواصل في الضفة، ترى الحركة أن الخطوة الأمريكية تكشف مجددًا حدود الخطاب السياسي الغربي حين يتصل الأمر بفلسطين، حيث تُرفع شعارات «حل الدولتين» و«رفض الضم»، بينما تُتخذ قرارات ميدانية تُفرغ تلك الشعارات من مضمونها، وتمنح الاحتلال أدوات إضافية لتثبيت مشروعه الاستيطاني.








