أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، اليوم الأربعاء، عن تعيين الدبلوماسي الفنلندي المخضرم بيكا هافيستو مبعوثاً شخصياً جديداً له للسودان، خلفاً للجزائري رمطان لعمامرة، في خطوة تعكس رغبة المنظمة الدولية في ضخ دماء جديدة بمسار الوساطة المعقد.
ويأتي هذا التعيين في توقيت حرج للغاية، حيث يواجه السودان انزلاقاً متسارعاً نحو المجاعة الشاملة وانهيار الدولة، وسط تصاعد العمليات العسكرية التي لم تستثنِ أحداً.
وقد أعرب غوتيريش عن شكره العميق للعمامرة على تفانيه في العمل خلال فترة اتسمت بالعنف المفرط، إلا أن اختيار هافيستو يشير إلى مراهنة أممية على خبرته الطويلة في منطقة القرن الأفريقي، وقدرته على إدارة الأزمات البيئية والسياسية المركبة، في محاولة لفتح ثغرة في جدار الصمت الدولي والجمود العسكري الذي يطبق على أنفاس السودانيين منذ اندلاع الصراع.
يصل بيكا هافيستو إلى منصبه الجديد محملاً بخبرة تزيد على أربعين عاماً في السياسة الدولية، حيث تدرج في مناصب رفيعة ببلاده فنلندا وصولاً إلى حقيبة الخارجية، فضلاً عن أدواره القيادية في الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
وما يميز هافيستو هو معرفته الدقيقة بالتفاصيل السودانية، حيث عمل ممثلاً خاصاً للاتحاد الأوروبي في السودان بين عامي 2005 و2007، وشارك بفعالية في مفاوضات سلام دارفور التاريخية، كما عمل مستشاراً رفيع المستوى للأمم المتحدة في ذات الملف.
هذه الخلفية تمنحه أفضلية في فهم تعقيدات الصراع القبلي والسياسي في إقليم دارفور، وتجعله قادراً على التواصل مع كافة الأطراف بناءً على سجل طويل من العمل الميداني في مناطق النزاع، بدءاً من كوسوفو وأفغانستان وصولاً إلى العراق وفلسطين، مما يجعله "رجل المهام الصعبة" الذي تراهن عليه الأمم المتحدة لوقف نزيف الدم السوداني.
مأساة بلدة "طويلة".. الانفجار السكاني القسري وشبح الانهيار الصحي
في موازاة التحركات السياسية، يواجه الواقع الميداني في ولاية شمال دارفور كارثة بشرية غير مسبوقة، حيث تحولت بلدة "طويلة" من بلدة صغيرة يسكنها 40 ألف نسمة إلى مركز نزوح عملاق يضم أكثر من 715 ألف نازح، فروا من جحيم المعارك في الفاشر والمخيمات المجاورة.
وبحسب المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، فإن هذا النمو المتسارع وضع ضغوطاً هائلة على الموارد الشحيحة أصلاً، حيث أظهر تقييم لمنظمة "اليونيسف" أن أكثر من نصف السكان لا يحصلون حتى على الحد الأدنى من المياه اللازمة للبقاء، والمقدر بـ 7.5 لترات للفرد يومياً.
ومع تعطل أكثر من 40% من المراحيض وافتقار 80% من الأسر لمواد النظافة الأساسية، أصبحت "طويلة" قنبلة موقوتة للأوبئة، مما يتطلب تدخلات دولية فورية وتوفير تمويل مرن وسريع لإنقاذ مئات الآلاف من الموت عطشاً أو بمرض الكوليرا.
المعابر والحدود.. شريان "أدري" تحت وطأة التصعيد العسكري
تظل القدرة على إيصال المساعدات الإنسانية هي العائق الأكبر أمام الوكالات الدولية، خاصة مع استمرار العنف في منطقة "تين" الحدودية بين السودان وتشاد، مما يجبر المزيد من المدنيين على النزوح القسري ويعيق حركة الإمدادات.
وأشار دوجاريك إلى أن معبر "أدري" لا يزال يمثل الشريان الحيوي الوحيد للعمليات الإغاثية في دارفور، حيث يستمر التنسيق مع حكومتي تشاد والسودان لضمان أمن وعاملي الإغاثة.
ومع ذلك، فإن تقارير استمرار هجمات الطائرات المسيّرة في شمال كردفان وتصاعد القتال في شمال دارفور، يهددان بإغلاق هذه الممرات الإنسانية في أي لحظة، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية لتأمين هذه المسارات بعيداً عن العمليات الحربية، وضمان وصول الغذاء والدواء لمن هم في أمس الحاجة إليهما قبل فوات الأوان.










