4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

إيران بين نار الشارع وضغوط أمريكا: رسائل تحدٍ في لحظة مفصلية

في خطاب حمل رسائل مركبة إلى الداخل الإيراني وإلى الخارج، أكد رئيس إيران  مسعود بزشيكان أن بلاده "تحترم الاحتجاج السلمي" بوصفه حقًا مشروعًا للمواطنين

بقلم: سماح عثمان
٢٦ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
14 مشاهدة
إيران بين نار الشارع وضغوط أمريكا: رسائل تحدٍ في لحظة مفصلية

إيران بين نار الشارع وضغوط أمريكا: رسائل تحدٍ في لحظة مفصلية

في خطاب حمل رسائل مركبة إلى الداخل الإيراني وإلى الخارج، أكد رئيس إيران  مسعود بزشيكان أن بلاده "تحترم الاحتجاج السلمي" بوصفه حقًا مشروعًا للمواطنين، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن ما جرى في يناير الماضي لم يكن مجرد تعبير احتجاجي عابر، بل "محاولة لإسقاط النظام". هذا التوصيف يعكس رؤية رسمية تعتبر أن بعض التحركات تجاوزت الإطار المطلبي إلى مسار سياسي يستهدف بنية الدولة ذاتها، وهو ما ترفضه طهران باعتباره تهديدًا مباشرًا للاستقرار والسيادة.

ويكشف هذا الخطاب عن معادلة دقيقة تحاول القيادة الإيرانية ترسيخها، تقوم على الفصل بين الحق في التعبير وبين ما تصفه بمحاولات الاستغلال السياسي المدعوم من الخارج. ففي حين تؤكد السلطات قبولها بمبدأ الاحتجاج السلمي، فإنها تربط بين أحداث يناير وبين تدخلات خارجية تسعى – بحسب الرواية الرسمية – إلى توظيف التوترات الداخلية لإحداث تغيير سياسي جذري. هذا الطرح يضع الاحتجاجات في سياق صراع أوسع بين إيران وخصومها، وفي مقدمتهم أمريكا.

رسائل إلى ترامب

ردًا على تصريحات الرئيس الأمريكي ، دونالد ترامب، شدد الرئيس الإيراني على أن أرقام قتلى الاحتجاجات التي أعلنتها السلطات "دقيقة"، في محاولة لنفي الاتهامات الأمريكية بالتلاعب أو التقليل من حجم الضحايا. هذا الرد يعكس إدراكًا رسميًا لأهمية المعركة الإعلامية المرتبطة بالأرقام، حيث تتحول الإحصاءات إلى أداة سياسية تستخدمها الأطراف المتنازعة لتثبيت سردياتها.

ولم يكتفِ الرئيس الإيراني بالدفاع عن الأرقام المعلنة، بل وجه رسالة مباشرة إلى ترامب مفادها أن "لا تستطيع أي قوة إسقاط بلدنا"، في تعبير واضح عن رفض الضغوط الأمريكية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو إعلامية. هذه العبارة تختزل جوهر الخطاب الإيراني القائم على التشديد على السيادة الوطنية ورفض ما تعتبره تدخلًا خارجيًا في الشأن الداخلي، مع الإيحاء بأن الرهان على اضطرابات داخلية لإحداث تغيير في طهران هو رهان خاسر.

إيران ومعركة الأرقام

في سياق الدفاع عن الرواية الرسمية، دعا رئيس إيران كل من "يملك أسماء أخرى لقتلى الاحتجاجات" إلى نشرها "مع الأدلة". هذا التحدي العلني يهدف إلى نقل عبء الإثبات إلى المعارضين والجهات الدولية التي تتهم السلطات بإخفاء أرقام حقيقية أعلى للضحايا. وبهذا، تحاول طهران إظهار موقفها بمظهر الشفافية المشروطة بالأدلة، في مواجهة تقارير تتحدث عن أعداد أكبر من القتلى.

غير أن هذه المعركة لا تدور فقط حول أرقام جامدة، بل حول شرعية السردية السياسية ذاتها. فالإقرار بارتفاع الأعداد قد يُستخدم دوليًا لتبرير ضغوط إضافية أو عقوبات جديدة، بينما الإصرار على دقة الأرقام الرسمية يمثل محاولة لحصر الأزمة في إطار أمني محدود، لا يرقى – بحسب الرؤية الإيرانية – إلى مستوى انتفاضة شاملة أو قمع واسع النطاق كما تصفه بعض الدوائر الغربية.

النووي والعقيدة

وفي ملف آخر لا يقل حساسية، أكد بزشيكان أن فتوى المرشد الأعلى علي خامنئي بتحريم السلاح النووي "موقف عقائدي ثابت وليست تصريحًا عابرًا". بهذا التصريح، تسعى طهران إلى تثبيت روايتها القائلة إن برنامجها النووي ذو طابع سلمي، وأن التحريم الديني لإنتاج أو استخدام السلاح النووي يشكل ضمانة أخلاقية وسياسية في آن واحد.

هذا التأكيد يأتي في سياق شكوك غربية مستمرة حول النوايا الإيرانية، واتهامات متكررة بأن البرنامج النووي قد يتحول إلى مسار عسكري. ومن خلال ربط الموقف النووي بمرجعية دينية عقائدية، تحاول القيادة الإيرانية تقديم تعهد يتجاوز الحسابات السياسية المرحلية، ليصبح جزءًا من هوية النظام ذاته. غير أن خصوم طهران، وعلى رأسهم أمريكا، ينظرون إلى هذه الفتوى بعين الريبة، معتبرين أن الضمانات الفعلية يجب أن تكون تقنية ورقابية لا دينية فحسب.

بهذه التصريحات المتزامنة حول الاحتجاجات والسيادة والملف النووي، ترسم طهران صورة لدولة ترى نفسها محاصرة بالضغوط، لكنها في الوقت ذاته متمسكة بثوابتها الداخلية وموقعها الإقليمي، وتبعث برسالة مفادها أن الرهان على تفكيكها من الداخل أو إخضاعها من الخارج لن يكون مسارًا سهلًا أو مضمون النتائج.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

إيران بين نار الشارع وضغوط أمريكا: رسائل تحدٍ في لحظة مفصلية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°