4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

جولة جنيف الثالثة.. هل تفتح الباب لرفع العقوبات عن طهران؟

في وقت يترقب فيه العالم بأسره مآلات التصعيد العسكري في المنطقة، وتحت وطأة قرع طبول الحرب التي باتت تسمع أصداؤها بوضوح، انطلقت اليوم

بقلم: محمد خميس
٢٦ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
11 مشاهدة
المحادثات الإيرانية الأمريكية

المحادثات الإيرانية الأمريكية

في وقت يترقب فيه العالم بأسره مآلات التصعيد العسكري في المنطقة، وتحت وطأة قرع طبول الحرب التي باتت تسمع أصداؤها بوضوح، انطلقت اليوم الخميس في مدينة جنيف السويسرية جولة جديدة ومصيرية من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية. 

وتأتي هذه الجولة، التي تُعد الثالثة من نوعها، برعاية دبلوماسية مكثفة من سلطنة عُمان التي تلعب دور الوسيط الحيوي لتقريب وجهات النظر المتسارعة نحو الصدام، حيث يتركز جدول الأعمال بشكل أساسي على ملفين لا يقلان تعقيداً عن بعضهما، وهما الملف النووي الإيراني الشائك، وملف رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، في محاولة لإنقاذ المسار الدبلوماسي من الانهيار الكامل.

وتستهدف هذه النقاشات المعمقة استكمال ما تم التوصل إليه في الجولات السابقة التي استضافتها مسقط وجنيف، والبناء على التفاهمات الأولية التي جرى بحثها خلف الأبواب المغلقة، بما يُسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي الهش ودعم مسارات الحوار التي تهدف إلى نزع فتيل الأزمة. 

وتستند الوفود المشاركة في مداولاتها إلى مجموعة من المبادئ الاسترشادية التي تم التوافق عليها مسبقاً، حيث يسعى الجانبان إلى تحويل تلك المبادئ إلى خارطة طريق عملية تضمن خروج المنطقة من نفق التوتر المظلم، مع التركيز على المستجدات التقنية والسياسية التي طرأت على الملفين منذ آخر لقاء جمع الأطراف المعنية.

تباين الأجندات ومسارات التفاوض

يظهر التباين في الأولويات بوضوح من خلال الأوراق التي يحملها كل وفد إلى طاولة المفاوضات؛ فالوفد الإيراني يضع ملف رفع العقوبات الاقتصادية الشاملة على رأس قائمة مطالبه، مروجاً لما يسمى بـ "آلية التدرج" في تنفيذ الالتزامات النووية مقابل الحصول على مكتسبات اقتصادية ملموسة. 

وفي المقابل، يتمسك الوفد الأمريكي، الذي يضم شخصيات رفيعة المستوى مثل المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مستشار البيت الأبيض، بضرورة فرض قيود طويلة الأمد وصارمة على عمليات تخصيب اليورانيوم، وضمان إغلاق كافة المسارات المحتملة التي قد تؤدي إلى تطوير سلاح نووي، مع المطالبة بنظام رقابة وتفتيش دولي يفوق ما كان معمولاً به في الاتفاقيات السابقة.

وقد وصل الفريق الإيراني المفاوض إلى جنيف برئاسة وزير الخارجية عباس عراقجي، ويرافقه طاقم دبلوماسي وفني رفيع المستوى يضم مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، بالإضافة إلى نخبة من الخبراء القانونيين والتقنيين المتخصصين في الشؤون النووية الدولية. 

هذا التمثيل الرفيع يعكس مدى الجدية التي توليها طهران لهذه الجولة، خاصة وأنها تأتي في توقيت حساس تتقاطع فيه الضغوط الداخلية مع التهديدات الخارجية، مما يجعل من الوصول إلى "اتفاق عادل" ضرورة استراتيجية للنظام الإيراني الطامح لفك العزلة الدولية المفروضة عليه.

الرسائل السياسية والضمانات النووية

على هامش الاجتماعات، عقد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقاءً هاماً مع نظيره العماني بدر البوسعيدي، حيث بحث الطرفان آخر المقترحات التي صاغتها طهران لتقديمها للجانب الأمريكي عبر الوسيط العماني. 

وخلال التصريحات الصحفية، جدد عراقجي التأكيد على الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، مشدداً على أن بلاده تلتزم التزاماً قطعياً بفتوى المرشد الأعلى التي تحرم امتلاك أسلحة الدمار الشامل. كما أوضح أن طهران لا تنوي تحت أي ظرف تطوير سلاح نووي، وأن كافة أنشطتها تقع ضمن إطار الأغراض المدنية وتحت مظلة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مع بقاء ملف الصواريخ الباليستية خارج أي مقايضة أو تفاوض.

وفي سياق متصل، أطلق الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تصريحات قوية من طهران، أكد فيها أن بلاده لا تسعى لامتلاك السلاح النووي، معتبراً أن التوصل إلى نتائج إيجابية في مفاوضات جنيف سيفتح آفاقاً جديدة للتنمية الاقتصادية ويبدد العقبات التي تعترض مسار الدولة. 

وأشار بزشكيان إلى أن بلاده تسعى لإدارة المفاوضات وفق توجيهات المرشد الأعلى، بهدف إنهاء حالة "اللا حرب واللا سلم" التي استنزفت موارد البلاد وأرهقت كاهل المواطنين، معرباً عن تفاؤله بأن مسار المحادثات الحالية يبشر بمستقبل مستقر إذا ما توفرت الإرادة الصادقة لدى الطرف الآخر وتجنبت واشنطن التصريحات المتناقضة.

المقترح الإيراني.. اختبار للنوايا الأمريكية

في خطوة وصفت بأنها "رمي للكرة في الملعب الأمريكي"، سلمت طهران عبر الوسيط العماني مقترحاً رسمياً جديداً يهدف إلى معالجة كافة المخاوف الأمريكية المتعلقة بطبيعة الأنشطة النووية.

 واعتبرت الخارجية الإيرانية أن هذا المقترح يمثل "اختباراً عملياً" لمدى التزام إدارة واشنطن بالدبلوماسية كخيار وحيد لحل الأزمات، مشيرة إلى أن رفض هذا العرض سيفسر في طهران على أنه دليل قاطع على عدم جدية الولايات المتحدة وأن تحركاتها الدبلوماسية لا تعدو كونها "استعراضاً سياسياً" لتبرير خطوات تصعيدية لاحقة.

من جانبه، أشاد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي بثبات النهج الدبلوماسي الإيراني، مؤكداً أن سلطنة عمان ستواصل مساعيها الحميدة لتقديم حلول "خلاقة وغير مسبوقة" تضمن حقوق كافة الأطراف.

 ولم تقتصر التحركات العمانية على الجانب السياسي فقط، بل شملت أيضاً لقاءات فنية مع رافاييل غروسي، مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لضمان أن تكون أي تفاهمات مستقبلية محكومة بمعايير الشفافية والمصداقية الدولية، ولتوفير الضمانات التقنية التي تجعل من الاتفاق المنشود قابلاً للاستدامة والنمو.

كواليس المفاوضات وتحديات الواقع

اللقاءات التي جمعت البوسعيدي بـ "جاريد كوشنر" وفريقه التفاوضي، تركزت حول تفكيك عناصر البرنامج النووي الإيراني ووضع آليات رقابية تضمن عدم انحرافه عن مساره المدني، مع بحث الضمانات التي تطلبها واشنطن مقابل رفع تدريجي ومنظم للعقوبات.

 وبالرغم من الأجواء الإيجابية التي يحاول الوسطاء إشاعتها، إلا أن التحركات العسكرية والسياسية على الأرض لا تزال تشير إلى وجود فجوة كبيرة بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الميداني، خاصة مع تذكر الجميع أن هذه المحادثات تأتي بعد شهور من الجمود الذي أعقب الصدام المباشر القصير بين الجانبين في الصيف الماضي.

إن نجاح جولة جنيف الثالثة لا يتوقف فقط على الصياغات القانونية أو التفاهمات الفنية، بل يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة الطرفين على تجاوز أزمة الثقة العميقة المتراكمة لسنوات. 

فبينما يرى بزشكيان أن الاتفاق هو مفتاح التنمية، يرى صقور واشنطن أن الضغط الأقصى هو السبيل الوحيد لضمان تنازلات إيرانية حقيقية. 

وبين هذين المنظورين، يبقى الوسيط العماني في سباق مع الزمن لإيجاد نقطة التوازن التي تحمي المنطقة من انفجار عسكري شامل قد لا تحمد عقباه، مما يجعل من الأيام القليلة القادمة في جنيف فاصلة في تاريخ الصراع الإيراني الأمريكي المعاصر.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

جولة جنيف الثالثة.. هل تفتح الباب لرفع العقوبات عن طهران؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°