21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

بمشاركة كوشنر وعراقجي.. تفاصيل انطلاق المفاوضات الإيرانية الأمريكية في سويسرا

وسط ترقب دولي وإقليمي مشوب بالحذر، انطلقت اليوم في العاصمة السويسرية جنيف فعاليات الجولة الثالثة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة

بقلم: محمد خميس
٢٦ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
12 مشاهدة
المحادثات الايرانية الامريكية

المحادثات الايرانية الامريكية

وسط ترقب دولي وإقليمي مشوب بالحذر، انطلقت اليوم في العاصمة السويسرية جنيف فعاليات الجولة الثالثة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي الجولة التي تأتي في توقيت شديد الحساسية لترسم ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط.

 يقود هذه الجولة دبلوماسياً وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي يلعب دور الوسيط المحوري لتقريب وجهات النظر المتباعدة، حيث تتركز أجندة النقاشات بشكل أساسي على مراجعة المقترحات الإيرانية الأخيرة المتعلقة ببرنامجها النووي وسبل الوصول إلى صيغة توافقية تضمن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران مقابل التزامات تقنية محددة.

 وتعد هذه الجولة استكمالاً لمسار طويل من المداولات التي بدأت في مسقط، وتهدف إلى تحويل الخطوط العريضة التي تم التوافق عليها سابقاً إلى خطة عمل تنفيذية بضمانات دولية.

لقد وصل الفريق الإيراني المفاوض إلى جنيف بتمثيل رفيع المستوى يعكس مدى الجدية التي توليها طهران لهذا المسار، حيث يترأس الوفد وزير الخارجية عباس عراقجي، ويرافقه مجيد تخت روانجي نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، بالإضافة إلى كوكبة من الخبراء الفنيين والقانونيين المعنيين بالملفات السياسية والدولية المعقدة. 

وفي المقابل، يبرز الثقل السياسي للوفد الأمريكي الذي يضم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر مستشار البيت الأبيض وصهر الرئيس ترامب، مما يشير إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تسعى لاستكشاف فرص عقد اتفاق يوصف بـ "التاريخي" يتجاوز الثغرات السابقة، بمشاركة فريق من مستشاري الأمن القومي والخبراء المعنيين بملفات الحد من الانتشار النووي لضمان عدم انحراف البرنامج عن مساره المدني المعلن.

أدوار الوساطة والرقابة الدولية

لم تقتصر التحركات في جنيف على اللقاءات الرسمية فحسب، بل سبقتها مشاورات مكثفة قادها وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي مع الوفد الأمريكي، في خطوة تهدف إلى تذليل العقبات قبل الجلوس غير المباشر مع الطرف الإيراني.

 وأشار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إلى أن التنسيق العماني يجري على أعلى المستويات لضمان عدم انهيار المحادثات تحت وطأة التصريحات المتناقضة، لافتاً في الوقت ذاته إلى الحضور الهام للمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل جروسي، في قلب هذه المداولات.

 وجود جروسي في جنيف يضفي صبغة فنية وتقنية ضرورية على المفاوضات، حيث يقدم المشورة بشأن الجوانب الرقابية والتفتيشية، وهو الأمر الذي تراه واشنطن شرطاً أساسياً لأي تقدم في ملف رفع العقوبات.

وتؤكد طهران عبر المتحدث باسم خارجيتها أنها دخلت هذه الجولة بوفد مكتمل الصلاحيات ومبادئ توجيهية واضحة تهدف إلى حماية حق الشعب الإيراني في الاستخدام السلمي للطاقة النووية مع الإصرار على الرفع الفعلي وليس الصوري للعقوبات التي أرهقت الاقتصاد الوطني. 

وأوضح بقائي أن المواقف الإيرانية تم إبلاغها للوسيط العماني بكل شفافية، مشدداً على أن المفاوضات الحالية تقتصر حصراً على الملف النووي وتداعياته، بعيداً عن أي ملفات إقليمية أو عسكرية أخرى قد تعقد مسار الحل الدبلوماسي، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى قدرة الدبلوماسية على تجاوز خيارات المواجهة العسكرية.

مقترحات طهران ونزع الذرائع

في إطار السعي الإيراني لإثبات حسن النوايا وتبديد الهواجس الغربية، كشف وزير الخارجية عباس عراقجي خلال مباحثاته الثنائية مع نظيره العماني عن مقترح إيراني متكامل تم تسليمه للجانب الأمريكي عبر الوساطة العمانية. 

هذا المقترح، وفقاً للمصادر الإيرانية، صِيغ بطريقة تجعل من الصعب على واشنطن إيجاد ذرائع للاستمرار في حالة اللاحرب واللاسلم أو التلويح بخيار التصعيد العسكري، حيث يتضمن العرض تفاصيل تقنية حول مستويات التخصيب وآليات الرقابة التي تضمن سلمية البرنامج بشكل كامل.

 وشدد عراقجي على أن بلاده، واستناداً إلى المبادئ الاسترشادية المتفق عليها والجوانب الشرعية المتمثلة في فتاوى المرشد الأعلى، لن تسعى تحت أي ظرف لامتلاك سلاح نووي، وأن كافة أنشطتها تظل تحت مظلة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

ومع ذلك، تظل الخطوط الحمراء الإيرانية واضحة وثابتة، خاصة فيما يتعلق بالقدرات الدفاعية التقليدية، حيث جدد عراقجي التأكيد على أن البرنامج الصاروخي الإيراني يقع خارج دائرة التفاوض ولن يكون جزءاً من أي صفقة نووية محتملة. 

هذا الموقف يضع المفاوض الأمريكي أمام تحدي الموازنة بين الرغبة في تحجيم النفوذ الإيراني وبين الضرورة الملحة لضبط النشاط النووي. ويرى المراقبون أن نجاح هذه الجولة يعتمد بشكل كبير على مدى استجابة واشنطن للمقترح الإيراني الجديد، وما إذا كانت الإدارة الأمريكية مستعدة لتقديم تنازلات في ملف العقوبات مقابل الضمانات التقنية المشددة التي تعرضها طهران في جنيف.

آفاق الحل واستقرار المنطقة

إن نجاح مفاوضات جنيف في جولتها الثالثة لن يكون مكسباً لطرفي النزاع فحسب، بل يمثل حجر زاوية لاستقرار منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من اضطرابات جيوسياسية متلاحقة.

 فالوصول إلى اتفاق شامل وعادل يسهم في خروج طهران من عزلتها الاقتصادية، وفي المقابل يمنح واشنطن والمجتمع الدولي ضمانات موثقة حول سلمية البرنامج النووي، مما يقلل من فرص اندلاع نزاع مسلح واسع النطاق. وتلعب سلطنة عمان في هذا السياق دور "صمام الأمان"، حيث تسعى من خلال دبلوماسيتها الهادئة إلى بناء جسور الثقة المفقودة بين البيت الأبيض ومبنى الخارجية في طهران، مستندة إلى إرث طويل من الوساطات الناجحة بين الجانبين.

تتجه الأنظار الآن إلى ما ستسفر عنه الأيام القادمة من اجتماعات مغلقة في الفنادق السويسرية العريقة، حيث يتبادل الوفدان الأوراق والملاحظات عبر الوسيط العماني

 وبينما تصر إيران على أن الكرة الآن في الملعب الأمريكي بعد تقديمها للمقترح الأخير، تترقب واشنطن ردود فعل الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول الجوانب الفنية للمقترح. 

إن مخرجات جولة جنيف ستحدد بلا شك مسار العلاقات الدولية لسنوات قادمة، فإما اتفاق يعيد صياغة التوازنات في المنطقة، أو عودة إلى مربع التصعيد الذي لا يخدم مصالح الأطراف الساعية للتنمية والاستقرار.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال