رجح محمد ربيع الديهي، الباحث المتخصص في العلاقات الدولية، أن تسفر المفاوضات الجارية حالياً في مدينة جنيف السويسرية بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية عن مؤشرات إيجابية تدفع نحو التهدئة الإقليمية، مؤكداً أن استمرار هذا المسار التفاوضي في ظل الظروف الراهنة يعكس رغبة حقيقية ومتبادلة من الطرفين في تجنب الانزلاق نحو مربع التصعيد العسكري المباشر.
وأوضح الديهي، في مداخلة متلفزة عبر فضائية "إكسترا نيوز"، أن هذه الجولة تكتسب أهمية خاصة كونها تأتي بعد سلسلة من الجولات السابقة التي لم تحقق تقدماً ملموساً، إلا أن التطورات الأخيرة والمبادرات الإيرانية الجديدة المتعلقة بضمانات الاستخدام السلمي للطاقة النووية تمنح أملاً متجدداً بإمكانية التوصل إلى تفاهمات عملية تكسر جمود الأزمة.
ويرى الديهي أن البرنامج النووي الإيراني سيظل هو القضية الأبرز والمحور الأساسي على طاولة المباحثات، خاصة في ظل المخاوف الأمريكية المتصاعدة بشأن طبيعة الأنشطة النووية ومستقبلها التقني.
وأشار إلى أن الموقف الإيراني الذي يركز على الطابع المدني لبرنامجه يواجه تدقيقاً أمريكياً صارماً، لكن استمرار الجلوس على طاولة التفاوض غير المباشر بحد ذاته يعد إشارة إلى أن الخيار الدبلوماسي لا يزال هو المفضل لدى دوائر صنع القرار في واشنطن وطهران، رغم الضغوط السياسية والميدانية التي تحيط بالملف من كل جانب، مما يجعل من جولة جنيف الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف على تحويل النوايا إلى اتفاقيات مكتوبة وموثقة دولياً.
رفض أمريكي للخيار العسكري
وفي تحليل دقيق للموقف داخل الولايات المتحدة، لفت محمد ربيع الديهي إلى وجود اتجاه قوي ومتنامٍ داخل الإدارة الأمريكية الحالية، وبدعم من قطاعات مؤثرة داخل الكونجرس، يرفض بشكل قاطع فكرة توجيه ضربات عسكرية للمنشآت الإيرانية.
وأوضح أن هذا الرفض ينبع من إدراك استراتيجي بأن أي هجوم عسكري على إيران لن يكون محدوداً أو خاطفاً كما يروج البعض، بل قد يشرع الأبواب أمام حرب إقليمية واسعة النطاق تهدد استقرار المنطقة برمتها وتؤثر بشكل مباشر على مصالح الأمن القومي الأمريكي وأمن الطاقة العالمي، وهو ما تحرص واشنطن على تجنبه في الوقت الراهن الذي يشهد تقلبات جيوسياسية كبرى في ملفات دولية أخرى.
هذا التوجه نحو "ضبط النفس" يمنح المفاوضين في جنيف مساحة للمناورة وبحث البدائل الدبلوماسية بعيداً عن لغة التهديد والوعيد، حيث يدرك الجميع أن تكلفة الفشل في التفاوض قد تكون باهظة للجميع.
وأضاف الديهي أن المقاربة الأمريكية الحالية تميل نحو الاحتواء الذكي ووضع قيود رقابية مشددة بدلاً من الصدام المسلح، وهو ما يفسر الاهتمام البالغ بالتفاصيل الفنية التي تطرح في الاجتماعات الحالية، حيث يسعى الجانب الأمريكي لانتزاع أكبر قدر من التنازلات النووية مقابل تقديم إغراءات تتعلق بتخفيف الضغط الاقتصادي والسياسي عن طهران في المرحلة المقبلة.
البعد الاقتصادي كمحرك للحل
وأكد الباحث في العلاقات الدولية أن الجانب الاقتصادي يمثل ركناً أساسياً وركيزة حاسمة في أي اتفاق محتمل بين الطرفين، موضحاً أن الاقتصاد بات هو المحرك الفعلي للسياسة في هذا الملف.
فإيران تسعى بكل ثقلها لرفع العقوبات الاقتصادية التي أثرت بشكل عميق على مستويات المعيشة ومعدلات التنمية، بينما ترى واشنطن في "الجزرة الاقتصادية" وسيلة فعالة للضغط على طهران لتقديم تنازلات في ملف التخصيب والرقابة الدولية.
وأشار الديهي إلى أن تحقيق مكاسب اقتصادية متبادلة، من شأنه أن يدفع الطرفين نحو تسوية سياسية أوسع قد تشمل ملفات إقليمية أخرى، مما يسهم في خلق بيئة من الثقة المفقودة منذ عقود.
يخلص محمد ربيع الديهي إلى أن مخرجات جنيف ستكون حاسمة في تحديد شكل الصراع في المنطقة خلال العام 2026، فإما الذهاب نحو اتفاق مرحلي يهدئ الأوضاع ويفتح الباب أمام استثمارات وتدفقات مالية تنعش الاقتصاد الإيراني مقابل رقابة أممية صارمة، أو البقاء في حالة "اللا حرب واللا سلم" التي تستنزف موارد الجميع.
إن الرهان الآن يكمن في قدرة الوسطاء والدبلوماسيين على صياغة معادلة توازن بين الحقوق النووية السلمية لإيران والمخاوف الأمنية للولايات المتحدة وحلفائها، لضمان مستقبل أكثر استقراراً بعيداً عن شبح المواجهات العسكرية التي لا رابح فيها.










