كشف موقع "أكسيوس" الأمريكي، نقلاً عن مصادر دبلوماسية رفيعة، عن انتهاء جولة مكثفة من المفاوضات الأمريكية الإيرانية غير المباشرة في العاصمة السويسرية جنيف، اليوم الخميس، بعد مباحثات استمرت لثلاث ساعات متواصلة تحت رعاية دولية وإقليمية.
وأفادت قناة "القاهرة الإخبارية" في خبر عاجل بأن الجلسة شهدت تبادلاً معمقاً للأفكار، حيث يسعى الطرفان لاستكشاف آفاق جديدة لكسر الجمود المستمر في الملف النووي.
ومن جانبه، أعلن وزير الخارجية العُماني، بدر بن حمد البوسعيدي، الذي يقود جهود الوساطة، أن المفاوضين من الجانبين الأمريكي والإيراني قرروا تعليق الجلسات مؤقتاً لالتقاط الأنفاس والتشاور، على أن تُستأنف المحادثات في وقت لاحق من مساء اليوم الخميس، معرباً عن تفاؤله الحذر حيال الأفكار "المبتكرة والإيجابية" التي طُرحت خلال الجولة الصباحية.
وعلى الرغم من الأجواء الدبلوماسية التي حاول الوسيط العُماني إضفاءها، إلا أن التسريبات الواردة من كواليس التفاوض تشير إلى وجود فجوات هائلة في المواقف الجوهرية.
فقد كشفت مصادر مطلعة أن الجانب الأمريكي قدم عبر الوسيط العُماني قائمة تضم خمسة مطالب وصفت بأنها "شروط هيكلية صعبة" لإرساء قواعد تفاهم نووي جديد يتجاوز بنود اتفاق عام 2015. وتركز هذه المطالب على إنهاء القدرات النووية الإيرانية بشكل جذري، بما يضمن عدم قدرة طهران على العودة لتصنيع سلاح نووي في المستقبل القريب أو البعيد، وهو ما يضع الوفد الإيراني أمام ضغوط سياسية وفنية غير مسبوقة في تاريخ هذا الملف الشائك.
المطالب الأمريكية الخمسة
وتصدرت قائمة المطالب الأمريكية نقطة وصفت بأنها "الأكثر راديكالية"، حيث طالبت واشنطن بضرورة تدمير جميع المواقع النووية الإيرانية الثلاثة الرئيسية وهي: منشآت "فوردو، ونطنز، وأصفهان"، وفقاً لما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال". ولا تتوقف المطالب عند حد التدمير المادي للمواقع، بل تشمل تسليم كامل مخزون اليورانيوم المخصب الموجود لدى إيران إلى الولايات المتحدة الأمريكية لضمان خروجه من المعادلة الإقليمية تماماً.
كما تضمنت الورقة الأمريكية تأكيداً حازماً على أن القيود المفروضة في أي تفاهم جديد ستكون "دائمة" ودون سقف زمني محدد، بخلاف "بنود الغروب" التي كانت موجودة في اتفاق 2015، والتي كانت تسمح لإيران باستئناف بعض الأنشطة بعد مرور سنوات معينة.
المطلب الرابع في الورقة الأمريكية ركز على الوقف الكلي والشامل لعمليات تخصيب اليورانيوم، مع تقديم استثناء وحيد يتمثل في السماح بالإبقاء على "مفاعل طهران" للأبحاث الطبية والمدنية فقط، وتحت رقابة صارمة جداً.
وفي مقابل هذه التنازلات الضخمة، عرض الجانب الأمريكي "تخفيفاً محدوداً للعقوبات" بشكل مبدئي كخطوة لبناء الثقة وحسن النية، على أن يتم تنفيذ تخفيف أكبر ورفع تدريجي لبقية العقوبات الاقتصادية الخانقة في حال أثبتت إيران استجابة كاملة وشفافة للشروط الأمريكية على المدى الطويل. إن هذا السقف المرتفع من المطالب الأمريكية يعكس رغبة إدارة ترمب في فرض "اتفاق نهائي" ينهي الطموح النووي الإيراني بشكل لا رجعة فيه.
الليونة الإيرانية المشروطة
في المقابل، أظهرت طهران "ليونة تكتيكية" حيال بعض القضايا الحساسة في محاولة منها لإبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً وتجنب الانهيار الفوري للمفاوضات.
وكشفت المصادر أن الوفد الإيراني طرح إمكانية إخراج نصف مخزونه الحالي من اليورانيوم عالي التخصيب خارج البلاد كضمانة فعلية، مع إخضاع النصف الآخر لرقابة مشددة ولصيقة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما أبدى المفاوضون الإيرانيون استعداداً مبدئياً لخفض نسب التخصيب داخل الأراضي الإيرانية لمستويات متدنية تضمن الطابع السلمي للبرنامج، مقابل الحصول على ضمانات اقتصادية ورفع فوري وملموس للعقوبات التي ترهق كاهل الدولة.
تبقى جلسة المساء هي الاختبار الحقيقي لمدى قدرة "الأفكار المبتكرة" التي أشار إليها الوزير العُماني على التوفيق بين سقف المطالب الأمريكية المرتفع (التدمير والتسليم) وبين الرؤية الإيرانية المتمسكة بالسيادة النووية الجزئية.
إن الانتقال من اتفاق 2015 المؤقت إلى "القيود الدائمة" التي تطالب بها واشنطن يمثل تحولاً جوهرياً في قواعد اللعبة، وهو ما سيحدد ملامح الاستقرار أو التصعيد في المنطقة خلال الفترة القادمة.
فهل تنجح الدبلوماسية العُمانية في تدوير الزوايا الحادة، أم أن مطالب "وول ستريت جورنال" ستكون حجر العثرة الذي ينهي أحلام التهدئة في جنيف؟







