أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوضوح لا يقبل التأويل أن الجمهورية الفرنسية لم يتم إخطارها مسبقاً، كما أنها لم تشارك بأي شكل من الأشكال في الهجوم العسكري الذي شنه التحالف الأمريكي الإسرائيلي ضد أهداف داخل الأراضي الإيرانية صباح السبت.
وفي كلمة حاسمة ألقاها في مستهل اجتماع طارئ لمجلس الدفاع القومي بـقصر الإليزيه، شدد ماكرون على أن بلاده تنأى بنفسها عن هذه الخطوة التصعيدية التي تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي المنفجر بالفعل.
ويأتي هذا التصريح الفرنسي ليعيد رسم حدود التحالفات الغربية في هذه الأزمة، حيث بدا واضحاً أن باريس تفضل الحفاظ على قناة اتصال ديبلوماسية مفتوحة مع كافة الأطراف، رافضة الانزلاق نحو مغامرة عسكرية غير محسومة النتائج، ومؤكدة في الوقت ذاته أن أمن المنطقة واستقرارها لا يمكن أن يُبنى على أنقاض الهجمات الصاروخية والغارات الجوية التي قد تشعل حريقاً إقليمياً شاملاً يتجاوز حدود السيطرة الدولية.
إن الموقف الفرنسي الذي عبر عنه ماكرون يعكس قلقاً أوروبياً عميقاً من تداعيات الهجوم المشترك على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، بالإضافة إلى الخوف من ردات الفعل الإيرانية التي قد تطال المصالح الأوروبية في المنطقة.
ومن خلال تأكيده على "عدم المشاركة"، يبعث ماكرون برسالة تهدئة إلى طهران، مفادها أن باريس لا تزال تؤمن بالحلول السياسية، وأنها لم تكن جزءاً من غرفة العمليات التي أدارت عملية "زئير الأسد".
هذا التنصل الدبلوماسي يضع فرنسا في موقع "الوسيط الممكن" في المرحلة القادمة، خاصة مع تزايد الحاجة الدولية لوجود طرف قادر على صياغة مبادرة لتهدئة الأوضاع قبل وصولها إلى نقطة اللاعودة، وهو الدور الذي طالما سعت فرنسا لتمثيله في منطقة الشرق الأوسط، مستندة إلى إرثها الدبلوماسي وعلاقاتها المتوازنة مع القوى الإقليمية المختلفة بما فيها الدول الخليجية وإيران على حد سواء.
فشل الحلول العسكرية
وفي تحليل واقعي لنتائج الهجمات، جزم الرئيس الفرنسي بأن الضربات العسكرية، مهما بلغت دقتها وقوتها، لن تستطيع حل الأزمات الجوهرية المرتبطة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعلى رأسها ملف البرنامج النووي والنشاط البالستي المثير للجدل.
وأوضح ماكرون أمام قادة مجلس الدفاع أن الاعتقاد بإمكانية إنهاء الطموحات النووية أو وقف "زعزعة الاستقرار الإقليمي" ببساطة عبر القصف الجوي هو اعتقاد خاطئ ولا يمت للواقع بصلة، بل على العكس، قد تدفع هذه الضربات القيادة الإيرانية إلى اتخاذ مواقف أكثر راديكالية وسرعة نحو امتلاك السلاح النووي كدرع حماية مستقبلي.
ويرى ماكرون أن القضية النووية والنشاط الصاروخي هي ملفات سياسية وفنية معقدة تتطلب حلولاً تفاوضية طويلة الأمد واتفاقيات دولية ملزمة تضمن الرقابة الفعالة، وليس هجمات عسكرية قد تدمر المنشآت ولكنها لا تدمر المعرفة والخبرة التي اكتسبتها طهران طوال السنوات الماضية.
وأضاف الرئيس الفرنسي أن استغلال القوة العسكرية للتعامل مع النشاط البالستي الإيراني قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً، حيث ستجد طهران في هذه الهجمات مبرراً شرعياً أمام شعبها وأمام حلفائها لتعزيز ترسانتها الدفاعية والهجومية بحجة الدفاع عن السيادة الوطنية.
إن رؤية باريس، كما لخصها ماكرون، تقوم على فكرة أن زعزعة استقرار المنطقة هي نتاج لغياب التوازن السياسي والحوار الإقليمي، وأن أي محاولة لفرض واقع جديد عبر الصواريخ لن تزيد المشهد إلا تعقيداً ومرارة.
ومن هنا، تبرز الدعوة الفرنسية لضرورة العودة إلى الطاولة الدبلوماسية كخيار وحيد ومستدام، بعيداً عن صخب الطائرات الذي قد يصيب الأهداف العسكرية لكنه يخطئ تماماً في تحقيق الاستقرار السياسي المنشود، بل ويترك المنطقة عرضة لموجات جديدة من الحروب بالوكالة والهجمات الانتقامية التي تطال الجميع.
خارطة العمل الدبلوماسي
وفي إطار بحثه عن مخرج للأزمة الراهنة، أعرب إيمانويل ماكرون عن أمله الكبير في أن تتمكن القوى الدولية من اتخاذ "جميع الخطوات اللازمة" لضمان إعادة العمل الدبلوماسي إلى مساره الصحيح في أسرع وقت ممكن.
ولم يكتفِ ماكرون بالتشخيص، بل دعا إلى تحرك جماعي يهدف إلى احتواء التداعيات الميدانية للهجوم الأخير، وفتح قنوات اتصال فورية لمنع حدوث ردود فعل إيرانية قد تخرج عن السيطرة.
إن "خارطة الطريق" الفرنسية تركز في جوهرها على إحياء مفاوضات شاملة لا تقتصر فقط على الملف النووي، بل تمتد لتشمل أمن الإقليم والنشاط الصاروخي، معتبراً أن الدبلوماسية هي الأداة الوحيدة القادرة على صياغة ضمانات أمنية حقيقية لجميع الأطراف، بما في ذلك إسرائيل والدول الخليجية، بطريقة لا تؤدي إلى تدمير النسيج الإقليمي أو إغراق العالم في أزمة اقتصادية وطاقية مدمرة.










