يمارس العدو الأمريكي الإسرائيلي، حربا نفسية عنيفة ضد إيران، وبرزت قراءة تحليلية مغايرة للدكتورة شيماء المرسي، الخبيرة في الشأن الإيراني، تؤكد فيها أن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي لا يزال حياً يمارس مهامه القيادية.
واستندت المرسي في تحليلها، الذي نشرته الساعات الماضية، إلى منشور ملحمي غامض ظهر على الحساب الرسمي لمكتب المرشد على منصة "X"، تضمن بيتاً شعرياً فارسياً يتوعد فيه "فرعون موسى" بزحف "علي بذو الفقار" نحو إسرائيل.
وترى الدكتورة المرسي أن توقيت هذا المنشور، الذي حصد ملايين التفاعلات في دقائق معدودة، يمثل "إشارة جازمة" بنجاة المرشد من محاولة الاغتيال التي تبناها الرئيس دونالد ترامب عبر تدوينته في "تروث سوشيال".
وتضيف التحليلات أن العقيدة السياسية والأمنية في طهران تعتمد على الرموز الدينية العميقة في إدارة الأزمات الكبرى؛ فاستخدام اسم "حيدر" (الإمام علي بن أبي طالب) وإقرانه بسيف "الذو الفقار" في أول رد فعل عقب أنباء التصفية، يعني بلغة الإشارة السياسية أن "صاحب الولاية" لا يزال ممسكاً بزمام الأمور ولم يسقط.
ووفقا للدكتورة المرسي، لو كان نبأ الاغتيال صحيحاً، لكان سلوك الحساب الرسمي قد اتجه نحو الصمت الحدادي أو نشر آيات الاستشهاد القرآنية المتعارف عليها، بدلاً من نشر بيت شعري يتحدث عن "الزحف والقدوم"، مما يوحي بأن القائد الأعلى يصدر أوامره لتحريك الجبهات رداً على العدوان المشترك.
انكسار الحرب النفسية
لقد أحدثت هذه الرمزية الإيرانية شرخاً كبيراً في السردية التي حاولت القناة الثانية عشرة العبرية والمسؤولون الأمريكيون ترويجها حول "نهاية عصر خامنئي"، حيث تحولت حالة الاضطراب والقلق في الشارع الإيراني إلى نوع من الاطمئنان الحذر عقب انتشار المنشور. وتشير التقارير الميدانية إلى أن التفاعل الضخم مع بيت الشعر، والذي تجاوز 3.6 مليون مشاهدة في أقل من ساعة، يعكس نجاح طهران في استعادة توازنها الإعلامي وإحباط محاولة تصدير صورة "النظام المنهار" التي يسعى نتنياهو لترسيخها. إن اختيار لغة التحدي بدلاً من لغة الرثاء يثبت، من وجهة نظر ناقدة، أن طهران قررت مواجهة "الغضب الملحمي" الأمريكي باستراتيجية "اليقين الملحمي" في بقاء قيادتها.
وعلى الصعيد التحليلي، يرى مراقبون عسكريون أن بقاء خامنئي على قيد الحياة، في حال ثبتت صحة قراءة الدكتورة المرسي، سيمثل نكسة استخباراتية كبرى لإدارة ترامب ولجيش الاحتلال الذي سارع بإعلان الانتصار وتصفية "رأس النظام". إن التسرع في إعلان مقتل القادة دون أدلة ملموسة هو فخ دعائي قد ينقلب وبالاً على المعتدين، خاصة إذا ما ظهر المرشد في خطاب مصور خلال الساعات القادمة، مما سيعطي دفعة معنوية هائلة لمحور المقاومة ويزيد من حدة الضربات الانتقامية ضد القواعد الأمريكية، محولاً "نشوة النصر" في واشنطن وتل أبيب إلى تخبط استراتيجي أمام نظام أثبت قدرة فائقة على المناورة والتمويه في أصعب اللحظات.
دلالات الصمت والبيان
بالتدقيق في السلوك الإعلامي الإيراني الرسمي، يتبين أن طهران تتعمد ممارسة نوع من "الغموض النشط" لاستنزاف الأعصاب الأمريكية والإسرائيلية؛ فبينما ينفي مكتب المرشد الأنباء عبر الشعر والرمز، تلتزم وزارة الخارجية ببيانات مقتضبة تؤكد أن "المسؤولين بخير".
وبحسب تحليل نشرته جريدة "النهار المصرية" للدكتورة شيماء المرسي، فإن النظام الإيراني يدرك أن المعركة الحالية هي معركة "وعي" بقدر ما هي معركة "صواريخ"، ولذلك فإن استخدام الرمزية الدينية في منشور المكتب الرسمي يهدف إلى مخاطبة القاعدة الشعبية والعسكرية الموالية في الداخل والخارج، وتأكيد شرعية الاستمرار في المواجهة تحت قيادة "نائب الإمام" الذي لم تنل منه غارات الاحتلال.
إن هذا التضارب بين إعلان ترامب الرسمي وبين "شيفرات" مكتب خامنئي يضع المجتمع الدولي أمام تساؤل جوهري حول حقيقة ما جرى في العمق الإيراني. فإذا كانت أمريكا تمتلك "فكرة جيدة عن القيادة الجديدة" كما زعم ترامب، فإن طهران ترد بأن "القيادة القديمة" لا تزال هي من يوجه الدفة بصمت.
وبحسب تقارير مراكز الأبحاث، فإن الأيام القليلة القادمة ستكون الحاسمة في كشف الحقائق، حيث لن يستطيع أي طرف إخفاء الواقع لفترة طويلة؛ فإما أن يظهر المرشد ليعلن فشل المقامرة الأمريكية، أو تضطر طهران لإعلان "الشهادة" وبدء مرحلة انتقال السلطة، وهو ما سيحدد مسار الانفجار الكبير الذي تشهده المنطقة.









