التطورات المتسارعة في الإقليم منذ أكتوبر 2023 لم تعد توحي بصراع معزول أو جبهة محدودة، بل تشير إلى حرب و مشهد مركّب يتداخل فيه العسكري بالسياسي، والإقليمي بالدولي، ضمن مسار تصعيدي مفتوح على احتمالات أوسع. فالمواجهة التي اندلعت بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي تحولت سريعًا إلى حرب إبادة جماعية في غزة، وفق توصيفات منظمات حقوقية دولية، بينما توسّعت دائرة الاشتباك على أطراف عدة، ما أعاد إلى الواجهة مفهوم “محور الساحات المتعددة” الذي لطالما جرى تداوله في خطاب قوى المقاومة.
هذا المفهوم يقوم على فكرة أن أي عدوان إسرائيلي واسع لن يُواجَه من ساحة واحدة فقط، بل من عدة جبهات متزامنة أو متتالية، بما يرهق الاحتلال ويشتت قدراته العسكرية. ومع استمرار المجازر الإسرائيلية في غزة، بدعم سياسي وعسكري مباشر من أمريكا، بدأت ملامح هذا السيناريو تتبلور ميدانيًا، وإن كان بصورة تدريجية ومحسوبة حتى الآن.
موقف الحوثيين
حركة أنصار الله الحوثية في اليمن كانت من أوائل الأطراف التي أعلنت انخراطها في المواجهة، معتبرة أن ما يجري في غزة هو معركة تخص الأمة بأكملها. ومنذ نوفمبر 2023، كثفت الجماعة عملياتها في البحر الأحمر، مستهدفة سفنًا مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي أو متجهة إلى موانئه، في خطوة وصفتها بأنها دعم مباشر للمقاومة الفلسطينية ومحاولة لفرض حصار بحري مضاد.
هذه العمليات لم تقتصر على تهديد الملاحة، بل تطورت إلى إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة بعيدة المدى باتجاه أهداف داخل الأراضي المحتلة، بعضها وصل إلى محيط إيلات. ورغم اعتراض كثير من هذه المقذوفات، فإن الرسالة الاستراتيجية كانت واضحة: اليمن دخل المعادلة، ولو من بوابة الضغط البحري.
احتمال توسّع الدور الحوثي يبقى قائمًا، خاصة إذا استمرت المجازر في غزة أو اتسعت المواجهة إقليميًا. فالحوثيون يمتلكون ترسانة صاروخية متطورة نسبيًا، ويستفيدون من موقع جغرافي يتيح لهم التأثير على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ومع كل تصعيد أمريكي ضدهم، يزداد احتمال انتقالهم من سياسة الضغط المحدود إلى استهدافات أكثر عمقًا وتأثيرًا.
لبنان تحت النار
في لبنان، يقف حزب الله في قلب معادلة الردع مع الاحتلال الإسرائيلي. فمنذ أكتوبر 2023، تشهد الحدود الجنوبية اشتباكات يومية متقطعة بين الحزب وجيش الاحتلال، تتراوح بين قصف مدفعي وصاروخي واستهداف مواقع عسكرية ونقاط مراقبة.
الحزب أعلن مرارًا أن تدخله مرتبط بتطورات الميدان في غزة، وأنه لا يسعى إلى حرب شاملة، لكنه في الوقت نفسه لن يسمح بسحق المقاومة الفلسطينية. هذا التموضع يعكس سياسة “الإسناد المحسوب”، حيث يتم استنزاف الاحتلال تدريجيًا دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، إلا إذا فرضت تل أبيب ذلك.
انعكاسات الحرب على لبنان عميقة، إذ يعاني البلد أصلًا من أزمة اقتصادية خانقة. أي توسع كبير في المواجهة قد يضع البنية التحتية اللبنانية تحت ضربات إسرائيلية واسعة، كما حدث في 2006، لكنه في المقابل قد يفتح جبهة شمالية ثقيلة الكلفة على الاحتلال، ما يعيد صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة.
حرب سوريا والعراق
الساحة السورية تحولت منذ سنوات إلى مسرح اشتباك غير مباشر بين الاحتلال الإسرائيلي ومحور المقاومة. فالغارات الإسرائيلية المتكررة على مواقع داخل سوريا لم تتوقف، بل تصاعدت وتيرتها منذ اندلاع حرب غزة، في محاولة لمنع نقل أسلحة أو تثبيت بنى عسكرية جديدة.
أما في العراق، فقد عادت الفصائل المسلحة إلى استهداف قواعد عسكرية تضم قوات أمريكية، معتبرة أن واشنطن شريك مباشر في الحرب على غزة. وتعرضت قواعد عدة لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، ما دفع أمريكا إلى تنفيذ ضربات ردّ داخل العراق وسوريا، في تصعيد يعكس هشاشة التوازن القائم.
هذا التداخل بين الساحات يعزز فكرة أن أي مواجهة واسعة قد لا تبقى محصورة جغرافيًا، بل قد تمتد على طول خط يمتد من جنوب لبنان إلى غرب العراق، مرورًا بسوريا، وصولًا إلى البحر الأحمر.
تحركات أمريكية
أمريكا، بصفتها الداعم العسكري والسياسي الأول للاحتلال الإسرائيلي، عززت وجودها العسكري في المنطقة منذ الأيام الأولى للحرب. فقد أرسلت حاملات طائرات إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر، وعززت أنظمة الدفاع الجوي في قواعدها المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا.
هذه التحركات، بحسب بيانات صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية، تهدف إلى “ردع أي توسع إقليمي للصراع”، لكنها في الواقع تعكس استعدادًا لسيناريو الانخراط المباشر إذا ما تعرضت إسرائيل لخطر وجودي أو إذا توسعت الهجمات على القوات الأمريكية. كما أن استمرار تدفق السلاح والذخائر إلى تل أبيب يؤكد الدور الأمريكي المباشر في إدامة الحرب.
وجود هذا الثقل العسكري الأمريكي يشكل عنصر ردع لبعض الأطراف، لكنه في الوقت ذاته عامل استفزاز قد يدفع فصائل أخرى إلى توسيع دائرة الاستهداف، ما يزيد من احتمالات الانفجار الإقليمي.
محور الساحات
السؤال المركزي اليوم: هل بدأ بالفعل تفعيل “محور الساحات المتعددة”؟ الوقائع الميدانية تشير إلى أن المحور دخل مرحلة تفعيل جزئي ومدروس، حيث تتحرك كل ساحة وفق حساباتها الخاصة، لكن ضمن سقف سياسي واحد عنوانه منع حسم إسرائيلي كامل في غزة.
التفعيل الشامل، بمعنى اندلاع مواجهات كبرى ومتزامنة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، لم يحدث بعد. غير أن بنية الاشتباك الحالية تشبه إلى حد بعيد مرحلة تمهيدية، تُختبر فيها حدود الردع، وتُرسم خطوط حمراء جديدة. وكلما طال أمد الحرب واستمرت المجازر، تراجعت فرص ضبط الإيقاع.
سيناريوهات مفتوحة
السيناريو الأول يتمثل في استمرار نمط “الاستنزاف المتعدد”، حيث تبقى الجبهات مشتعلة بوتيرة منخفضة، دون انفجار شامل، مع بقاء الضغط العسكري والنفسي على الاحتلال.
السيناريو الثاني يقوم على خطأ حسابي أو عملية نوعية كبيرة – سواء في غزة أو لبنان – تؤدي إلى رد واسع، يفتح جبهة الشمال بشكل كامل، ويتبعه تحرك من العراق واليمن، ما يضع أمريكا أمام خيار التدخل المباشر دفاعًا عن إسرائيل.
أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا حاليًا، فيرتبط بفرض تسوية سياسية توقف الحرب في غزة، ما يؤدي تلقائيًا إلى تهدئة تدريجية في باقي الساحات.
في المحصلة، المنطقة تقف أمام لحظة تاريخية دقيقة؛ فالمعادلة لم تعد مقتصرة على صراع بين غزة والاحتلال الإسرائيلي، بل باتت اختبارًا شاملًا لمفهوم الردع، ولمدى قدرة “محور الساحات” على الانتقال من التنسيق السياسي إلى الفعل العسكري المتزامن. والفيصل في ذلك يظل مرتبطًا بمسار الحرب في غزة، وبحدود الدعم الأمريكي غير المشروط لتل أبيب، وبمدى استعداد الأطراف لتحمّل كلفة حرب إقليمية مفتوحة.










