20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سائد حسونة لـ 180 تحقيقات: إضعاف معنويات الخصم يتم الآن عبر الخوارزميات لا الرصاص

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد الحروب تقتصر على المواجهات الميدانية المباشرة بين الجيوش

بقلم: محمد خميس
١ مارس ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
15 مشاهدة
سائد حسونة

سائد حسونة

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد الحروب تقتصر على المواجهات الميدانية المباشرة بين الجيوش، بل انتقلت إلى أروقة الفضاء الرقمي الذي بات يُعرف بـ "مسرح العمليات المعلوماتي".

 وفي تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أكد سائد حسونة، خبير الإعلام الرقمي وهندسة أنظمة التأثير، أن تصعيد الحرب المعلوماتية خلال النزاعات المسلحة لم يعد مجرد نشاط دعائي موازٍ أو أداة تكميلية، بل تحول إلى جزء عضوي وجوهري من التخطيط الاستراتيجي العسكري.

 وأوضح حسونة أن القوى المتصارعة باتت تتعامل مع تدفق المعلومات بمنهجية تنظيمية صارمة تضاهي في دقتها التخطيط للعمليات البرية والجوية، حيث يتم توظيف التكنولوجيا لإدارة الوعي الجمعي وتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية دون الحاجة أحياناً لإطلاق رصاصة واحدة.

الأهداف الاستراتيجية وراء تصعيد الحرب الرقمية

يرى الخبير سائد حسونة أن الأهداف الكامنة وراء هذا التصعيد المعلوماتي تتجاوز فكرة التأثير اللحظي البسيط على عواطف الجمهور، بل تمتد لتضرب أسس الاستقرار الوطني. 

ويأتي في مقدمة هذه الأهداف "تقويض الثقة المؤسسية"، حيث تهدف القوى المهاجمة إلى إغراق البيئة الرقمية بمحتويات متناقضة ومعلومات مشوهة تخلق حالة من الشك المستمر لدى المواطن تجاه مؤسسات دولته.

 الهدف الثاني يتمثل في "إرباك صناعة القرار السياسي"، وذلك عبر تضخيم أحداث فرعية أو مفبركة بالكامل، مثل نشر مقاطع فيديو تظهر دماراً وهمياً في مناطق استراتيجية أو دول حليفة، مما يولد ضغوطاً شعبية ودولية تدفع القادة لاتخاذ قرارات متسرعة أو غير مدروسة. 

أما الهدف الثالث، فهو "إعادة هندسة البيئة النفسية للخصم"، من خلال إيهامه بقدرة القوة المهاجمة على اختراق عمقه الجغرافي والاقتصادي افتراضياً، مما يؤدي إلى انهيار الروح المعنوية وتفكك الجبهة الداخلية قبل بدء المواجهة الفعلية.

آليات حروب الجيل الخامس وتكامل الأدوات السيبرانية

وضمن تحليل معمق لما يُعرف بـ "حروب الجيل الخامس"، يشير حسونة إلى أن الحملات السيبرانية والدعاية النفسية تُدار اليوم ضمن منظومة تقنية متكاملة لا تقبل التجزئة. فالهجوم السيبراني على البنى التحتية، أو تسريب الوثائق السرية، أو إطلاق الشائعات المنسقة، ليست أدوات منفصلة، بل هي حلقات في سلسلة تأثير تبدأ بجمع البيانات الضخمة (Big Data)، مروراً بصياغة سردية مقنعة، وصولاً إلى توجيه الإدراك الجماعي نحو اتجاه محدد. 

هذا التكامل يتحقق عبر المزاوجة بين الأدوات التقنية المتطورة، مثل الحسابات الوهمية المنسقة وأنظمة النشر الآلي، وبين التحليل الخوارزمي الدقيق لسلوك الجماهير عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما يسمح بتصميم رسائل مختصرة وقابلة للانتشار الفيروسي السريع التي تخاطب الغرائز والمخاوف البشرية بشكل مباشر.

كواليس تصنيع الرواية الإعلامية المضللة

وفيما يتعلق بآلية "تصنيع الرواية" أثناء الأزمات، كشف سائد حسونة لـ "180 تحقيقات" عن ثلاث طبقات مترابطة تعتمد عليها الماكينات الإعلامية المعادية. الطبقة الأولى هي "الإطار" ، حيث يتم اختيار زاوية معينة للحدث تفرض معنى محدداً (مثل تصوير الحدث كفشل أمني ذريع أو تهديد وجودي) لضبط بوصلة التلقي. 

الطبقة الثانية هي "التجسيد البصري"، عبر استخدام صور أو مقاطع فيديو، سواء كانت حقيقية ومقتطعة من سياقها أو مفبركة كلياً، لتكون مرجعاً إدراكياً ثابتاً في ذاكرة الجمهور يصعب محوه لاحقاً بالحقائق المجردة. أما الطبقة الثالثة والأخيرة، فهي "التكرار المنهجي"، حيث تُعاد صياغة الرسالة ونشرها عبر آلاف الحسابات المنسقة لإعطائها صبغة "الانتشار الطبيعي"، مما يوهم المتلقي بأن ما يراه هو الحقيقة المطلقة التي يتداولها الجميع.

سبل المواجهة وبناء الحصانة المعلوماتية المؤسسية

أمام هذا التدفق الهائل والمعقد للمعلومات، يؤكد حسونة أن التمييز بين الخبر اليقين والتضليل الممنهج بات تحدياً مؤسسياً يفوق قدرة الأفراد العاديين. ولتحقيق المواجهة الفعالة، يقترح الخبير ضرورة تعزيز "وحدات التحقق السريع" داخل المؤسسات الإعلامية، وتطوير شراكات استراتيجية مع شركات التقنية العالمية لرصد وتفكيك الشبكات المنسقة. كما يشدد على أهمية اعتماد "بروتوكولات الشفافية"، حيث لا يكفي النفي المجرد للشائعات، بل يجب تقديم سردية استباقية مدعومة بالأدلة البصرية والتحليل المنطقي.

 ويرى حسونة أن المؤسسات الرسمية التي تكتفي بردود الأفعال المتأخرة تخسر معركة الوعي لصالح الروايات الزائفة، بينما المقاربة الاستباقية القائمة على التفكيك التحليلي هي الكفيلة بتقليل قابلية تلك السرديات المضللة للترسخ في وجدان المجتمع.

المكاسب الاستراتيجية والضرر الإدراكي المستدام

في ختام تصريحاته، لفت سائد حسونة إلى أن الحرب المعلوماتية قد تحقق مكاسب سياسية تفوق بكثير ما تحققه الآليات العسكرية التقليدية. فالقدرة على إضعاف معنويات الخصم، أو خلق انشقاقات مجتمعية حادة، أو التأثير على الأسواق المالية وتشويه صورة الدولة أمام المجتمع الدولي، كلها نتائج يمكن الوصول إليها بتكلفة أقل ومخاطر مباشرة محدودة. 

وفي عالم مترابط اقتصادياً ومعلوماتياً، أصبح "الضرر الإدراكي" – أي الصورة الذهنية المهزوزة – أسرع انتشاراً وأصعب في المعالجة من الدمار المادي للمباني والمنشآت. 

إن التحدي الحقيقي اليوم أمام الدول لا يكمن فقط في امتلاك أدوات الهجوم، بل في بناء أنظمة "حوكمة معلوماتية" قوية تحمي عقول المواطنين وتعزز مناعة المجتمع ضد محاولات التلاعب المنهجي التي تغذيها الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

سائد حسونة لـ 180 تحقيقات: إضعاف معنويات الخصم يتم الآن عبر الخوارزميات لا الرصاص - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°